القائمة الرئيسية

الصفحات

المتخيّلُ الأدبي المغربي وسؤالُ الهوية

 

المتخيّلُ الأدبي المغربي وسؤالُ الهوية

جمال أبرنوص.

أستـاذ باحث، جامعة محمد الأول- وجدة.

   أفضى الاستعمال المطرد لعبارة «الأدب المغربي»، في الفضاءات المغربية الناطقة بالعربية، إلى إشاعة صورة غير دقيقة تقضي باختزال الإبداع الأدبي المغربي في وجهه العربي الفصيح، وإغفال أوجهه اللغوية الأخرى، ومنها: وجهه الأمازيغي، ووجهه العامي، ووجهه العبري، وغيرها من الأوجه اللغوية الأجنبية التي يلجأ إليها الأديب المغربي، ومنها الوجه اللغوي الفرنسي والإسباني والإنجليزي والهولندي إلخ. ولعل ما زاد من تعزيز هذا التمثل المضلل تكريسه من قبل المؤسسات الأكاديمية، وعلى رأسها الجامعات والمؤسسات الثقافية الرسمية، إذ أضحى مألوفا أن ترى أو تسمع أحدهم يتحدث عن الشعر المغربي؛ قديمه أو حديثه أو معاصره، بكثير من الاطمئنان إلى سلامة وصفه، وهو لا يتناول منه إلا وجهه العربي الفصيح.

    لندع جانبا مسببات هذا المنزع الجماعي في الاختزال، لأنها عديدة تصعب الإحاطة بها في ورقة مقتضبة. ولنبسط بعض آثاره على صورة الأدب المغربي في أذهان قرائه ونقاده، بل وعلى غيرهم ممن قد يعنيهم التعرف على بعض تجاربه أو حساسياته.

صحيح أن آثار الاختزال قد تكون هينة عندما يتعلق الأمر بتلقّ يلامس المستوى اللغوي (اللساني) الخالص، فمن يبحث، تمثيلا، عن إيقاع الشعر المغربي أو معجمه أو بنياته اللسانية المختلفة، إنما يتناول عنصرا ذا طبيعة تمييزية يسم أدب الوجه اللغوي الذي خصه بالنظر، وإن كانت رصانة العرض والبحث تقتضي أن يسمي الباحث هذا الوجه اللغوي قبل مباشرة تلقيه.

      لكن الحقيقة أننا، هنا، بإزاء تلق نقدي قلما يتحقق، لأن العناصر اللسانية في مجملها لا تملك هوية مستقلة عن عناصر أخرى غير ذات طبيعة لغوية؛ فالمعجم، على سبيل المثال، وإن كان عنصرا لسانيا، ظاهريا على الأقل، فإنه يرتبط من حيث تشكيله وتوليد عناصره وتوظيفه بعمليات ثقافية غير لغوية، لذا يحسُن بمن يعلن عن نيته الاشتغال على المعجم الشعري المغربي، سواء أتعلق الأمر باشتغال عام أو مونوغرافي، إذا توخى النزاهة العلمية، أن يسمي الوجه اللغوي المدروس.

    ماذا، إذاً، عمن يعلن اشتغاله على كيانات غير لغوية، بأصل المعنى، من قبيل المتخيل؟ هل يجوز الحديث عن المتخيل الأدبي بوصفه عنصرا مشدودا إلى لغة مشار إليها بالاسم؟ أليس المتخيل آلية ومنتوجا متعاليا عابرا للغة في معظم الحالات؟ وإذا صحّ ذلك، ألا يكون حديثنا فريّا إذا اكتفينا بتتبع المتخيل في تجربة أدبية ذات وجه لغوي وحيد، وسحبنا أحكامنا على المتخيل الأدبي المغربي بصيغة الإطلاق؟

    قد يلتبس المتخيل باللغة، وقد يحتضن ذخيرة إنتاجات لغوية، لكنه لا ينحصر أبدا في أي دائرة قوامها الملفوظ؛ صوتا كان أو معجما أو تركيبا أو غير ذلك. خذ، مثلا، المتخيل الأسطوري. فأنت تلاحظ أنه أرحب من أن يحشر في دائرة لغة معينة. وبذا يكون تلقيه أو البحث عنه في إبداع أحد الشعوب ضربا من الاختزال والتعسف ما لم يتم اقتفاء حضوره في كافة التعبيرات الأدبية التي أنتجها هذا الشعب، وفي سائر الأوجه اللغوية المستعملة في إبداعه الأدبي.

إن المتخيل الأدبي المغربي على درجة كبرى من الغنى والتركيب، ولعل مردّ ذلك إلى ما راكمه ويراكمه المبدع المغربي من خبرات أدبية وثقافية صادرة عن مؤسسات مختلفة، فهو ينشأ في حضن ميراث شفوي متعدد الأوجه اللغوية، كما أن أولى تجاربه في معاينة الانزياحات اللغوية (الأدبية) عن معيار الاستعمال المألوف، تتم بلغته الأم، وهي إما الأمازيغية أو المغربية العامية، قبل أن تختزن ذاكرته الطفولية سيلا من المحكيات والمشاهدات الغنية بالرموز الثقافية، ذاكرة تزداد غنى واتساعا مع اتساع خبرته التعلّمية في المدرسة والجامعة، واستهلاكه آداب شعوب العالم المختلفة، سواء في لغاتها الأصلية أو عبر أحد الوسائط الترجمية. فهل يصح، بعد ذلك كله، الحديث عن متخيل أدبي مغربي موصول إلى لغة دون غيرها من اللغات المتداولة بالمغرب؟

    يستدعي الحديث عن المتخيل الأدبي المغربي، وما يتفرع عنه من عناصر قد تخص أجناسا بعينها، إحاطة وإلماما وتتبعا لمجموع الإنتاجات المغربية بسائر اللغات التي يستعملها الأدباء المغاربة. مثلما يقتضي، قبل ذلك، إدراكا لطبيعة هذا المتخيل العابرة ووعيا بعدم حيازة الإنتاج الأدبي لكل لغة متخيله الخاص، الذي يستقر في حدود هذه اللغة، والذي لا يبرحه إلى غيرها، مختلفا بموجب ذلك من إنتاج لغة إلى أخرى.

    نحن، هنا، في قلب الحديث عن الخصوصية والهوية، وكلامنا يفضي إلى وجود هوية عبر-لغوية مفترضة تميز آداب الشعوب، أحد مؤشراتها هذا المتخيل موضوع الكلام. لكن حديثنا الذي نعارض به التصور الاختزالي السائر في الأدبيات القرائية والنقدية، لا يلبث أن يجر عليه جملة اعتراضات وتساؤلات؛ من قبيل حدود تطابق هذه الهوية المزعومة مع حدود الوطن، بوصفه كيانا جيوسياسيا؛ علاوة على مدى إمكانية وسم المتخيل الأدبي المغربي بصفات خاصة يتفرد بها ويتميز عن المتخيل الأدبي لشعب آخر.

    نستطيع القول، بخصوص الاعتراض الأول، إن التطابق حاصلٌ بمقدار ملحوظ، وهو نتاج خصوصية التجربة الحضارية والتاريخية المغربية قياسا ببلدان الجوار، وكذا فرادة التجربة المؤسسية الحديثة في تدبير الشأنين التعليمي والثقافي، شديدَي الصلة بمسألة استهلاك أجناس الأدب المختلفة؛ وإن لم ينف قولنا هذا وجودَ صلات عديدة تجمع المتخيل الأدبي المغاربي والمتوسطي، بسبب تقاطعات التجربة الحضارية نفسها.

    أما بخصوص الاعتراض الثاني فنحن، بالنتيجة، أميل إلى الاعتقاد أن المتخيل الأدبي المغربي، باعتباره مجموع معطيات تمثيلية ورموز، وجماع بنيات ذهنية تنتج العلامات الثقافية، يتميز عن متخيل شعب آخر، لأنه نتاج استعدادات وخبرات ثقافية تم إنضاجها على نار المسيرة الحضارية لهذا البلد، منذ الفترة ما قبل الإسلامية إلى حدود اليوم، ومعنى ذلك أن المتخيل الأدبي الذي يحرك الإنتاج الأدبي المغربي المكتوب بالعربية لا يماثل المتخيل الذي يحكم إنتاجا أدبيا لبلد آخر، والحكم نفسه ينسحب عن الإنتاج المغربي ذي اللسان الفرنسي والإسباني وغيره، بل وينطبق حتى على الإنتاج الأمازيغي، الذي تتباين محركاته التخيلية من مجال أمازيغي إلى آخر، ولا سيما بين المجالات الواقعة على الأطراف الحدية.

    قد يلاحظ متتبع الإنتاج الأدبي المغربي اقتفاء عدد من مبدعيه المعاصرين أثر نظرائهم من مشاهير أدباء الشرق والغرب، واكتفاءهم بالسير خلفهم حذو النعل بالنعل، لكن ذلك لا يعني بأي حال أن بلاغات التصوير والحجاج ونُظُم البناء الأدبي المغربية مجرد نسخ باهتة من نظيراتها الشرقية والغربية؛ لأن ملامح الأصالة فيها ظاهرة لا تخطئها عين الباحث النبيه،        وإن لم يمنعنا ذلك من القول إن تقليد كثير من المغاربة وتفضيلهم العيش في جبة الصدى والتقليد ظاهرة فنية ظلت على الدوام سمة من سمات الأدب المغربي، زاد من حدتها خطاب الوحدة القومية الآتي من الشرق، وكذا استلاب الأنا المهزومة أمام الإنتاج الثقافي الذي بصم عليه الغرب الحديث.

      لا بأس أن نقول، ختاما، أننا لا ننوي من خلال هذه الورقة الموجزة بيان اطرادات تميز هذا المتخيل، بوصفه عنصر هوية أو أصالة ثقافية، فذاك أمر يعسر الخوض فيه في عرض مقتضب، ولكن الغاية وضع علامة تشوير أمام الباحث في المتخيل الأدبي المغربي، أو أحد عناصره، قد توجه هذا الباحث إلى ما يتوجب استحضاره من المنطلقات التأسيسية في هذا الصدد، والتي تأخذ التنوع اللغوي بعين الاعتبار الشديد، عوض الاستكانة، جهلا أو تجاهلا، إلى صور المتخيل الأدبي في نصوص وجه لغوي وحيد، بغض النظر عن درجة مقروئية هذه النصوص ومستوى تأثيرها في تشكيل الذائقة الفنية السائدة.

 

تعليقات

التنقل السريع