القائمة الرئيسية

الصفحات

"مشهدية العذاب" في حالة معتقلي الحسيمة لبسط "الهيمنة المخزنية (الجزء الأول)

الصورة من الأرشيف


"مشهدية العذاب" في حالة معتقلي الحسيمة لبسط "الهيمنة المخزنية"

بقلم: ع.ل I.L

      في سجن "خلية السماء" (Sky cell) الذي ظهر بمسلسل "صراع العروش" (Game of Thrones) كان السجن بدون قضبان، مجرد غرفة فارغة أحد جدرانها غير موجود، رسالة مغزاها: من أراد أن يهرب فليهرب، لكن إلى أين؟ فالهروب هنا يعني الموت المحقق، فقد استخدم (Sky cell) مفهوم "الخطر" لاحتجاز السجناء، حيث تم نحت السجن في جرف عال ينفتح عليه هذا السجن، ومن المفترض أنه يسمح للبعض أن يقرروا مصيرهم بأيديهم، ودفعهم إلى ذلك بجعل الأرضية مائلة قليلا.

      فكان مفهوم "الخطر" في العصور الوسطى وعصر ما قبل الحداثة والتقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية هو المفهوم المعمول به في السجون، حيث كانت السجون تقام في قبو قصر الملك، أو أسفل القلاع أو على حدود الصحراء، أو فوق الجبال أو داخل السراديب، أو فوق الصخور يحيط بها الماء العميق، أو تقام داخل الغابات وفي جوف الجبال. وظل هذا الأمر معمولا به في أوروبا وجميع أنحاء العالم في العصور الوسطى. ألا يمكن أن هذه المبادئ لم تتغير مع ظهور الدولة الحديثة المعاقة في المجتمعات المتخلفة، وأصبحت السجون بالرغم من جماليتها الصورية، والخارجية، وبالرغم من الصور النمطية المسوقة عنها، أداة حافظت على مر العصور على ثقافة التعذيب والإبداع في ممارسته، فهل يمكن مثلا مقارنة السجون المغربية بالسجون الدنماركية والسويدية والفلندية؟؟؟..... فالأولى تقتل الإرادة، والثانية تحييها وتمنح حق الحياة للإنسان مرة أخرى...

      حيث كانت السلطة كلها في يد الملك/السلطان/الأمير/الإمبراطور، وحينها يصبح المذنب أو المجرم أو المخطئ قد أذنب وأخطأ في حق الملك وحق القانون الذي وضعه الملك، فالملك وحده هو الذي يأمر بعقابه، فقد كان جسد الإنسان هو محل العقوبة وموضع استرداد الحق واسترجاع السيادة الملكية

       ويذهب د. خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" إلى أن استخدام جسم المذنب كرادع أو كنموذج للعقوبة أمر له حدوده، لأن الجسم لا يحتمل في نهاية الأمر غير مقدار محدد من الألم، وهو ما قد لا يكون رادعا فعالا للآخرين عن ارتكاب الخطأ نفسه. وفوق ذلك تتطلب فعالية هذا النوع من الردع أن يكون الاستعراض ضخما والحضور غفيرا إذا أراد الملك استرداد هيبته، فيحشد الحشود ليروا المخطئ كيف يُعذب أو يُعدم أو يُحرق، حيث كانت عمليات الشنق العلنية تجري في ميادين كبيرة وأماكن تجمُّع مهمة في المراكز الحضرية.

    ويشير ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة" "إلى أن هذا التبدي الأكثر خفة للسلطة الذي يستخدم "العقل" كسطح يكتب عليه، ويحقق إخضاع الأجسام من خلال السيطرة على العقول والأفكار، أكثر كفاءة بكثير من ناحية التأثير إذ ما قارناه بسياسة الأجسام المتمثلة في التعذيب والشنق. وبذلك، تصبح القواعد القانونية إحدى أدوات السلطة الأكثر فعالية بقيامها بتعريف الجرائم وتثبيت سلم العقوبات وتحديد المكلفين من الهرم البيروقراطي بتنفيذ العقوبات". 

       لكن، مع تغول السلطة تدريجيا بمرور الزمن، أصبح كل هذا لا يكفي، فجسد المخطئ لا يكفي لردعه وهزيمته بالكامل، بل يجب تحطيمه تحطيما جسديا ونفسيا وشعوريا، كي يتحقق هنا الترابط بين مفهومي المراقبة والمعاقبة، فبارتباطهما يثبت في عقل المخطئ، وفي عقل كل إنسان، أن المراقبة تستلزم العقاب، لأن السلطة تعرف كل شيء. فكيف يحطم السجن المعتقلين جسديا وشعوريا؟

هذا ما يجب النبش فيه من خلال تعذيب /عذاب المعتقلين، نبش بسيكولوجي وسوسيولوجي، وكيف تفضل السلطة هذه الأدوات للقمع والتنكيل وتحطيم الإرادة...هذه ما يحتاجه معتقلينا من داخل السجون، يحتجون إلى بحوث عميقة تكشف عورة السلطة، بعيدا عن العموميات المليئة بالغموض واللاوضوح، فالسلطة تخشى من يكشف عمقها ويميط اللثام عن تفننها في التعذيب..

تعليقات

التنقل السريع