إضاءات مختصرة حول الشعر الأمازيغي بالريف ولازمة
"رالا بويا"*
تذهب دراسات مهمة حول الشعر الأمازيغي بالريف، إلى أن هذا الأخير بسبب عوامل
ذاتية وموضوعية عرف حركية ملحوظة وتقدما كبيرا خلال فترة الاستعمار، وبعد
الاستقلال أصيب بنوع من الركود والضمور، بل وحتى الابتذال، نظرا لطبيعة المرحلة
الانتقالية المرفوقة بعوامل خارجية أخرى، ليصبح فجأة موسوما بالطابع التجاري
والفلكلوري المرتبط بالمناسبات الموسمية العابرة، فدفع به هذا الإسفاف والابتذال
إلى السقوط في أحضان أبواق الارتزاق، والجمود المرحلي الذي سيتم تجاوزه خلال عقد
السبعينات، ببروز مجموعة من الأصوات الشعرية الملتزمة والجادة بالريف، حتى أنه
يمكن اعتبار هذه المرحلة، على حد تعبير الأستاذ جميل حمداوي بمثابة مرحلة تجسد
لحظات حقيقية " للإحياء والتأسيس".
وتجدر الإشارة، أن الشعر الأمازيغي بالريف، بعد أن تحول من المرحلة
الشفهية، إلى البناء القصائدي المدون، أصبح يتوفر بحق على مجموعة من الخصائص
الفنية والجمالية، والمقومات البلاغية المنتظمة، والصور الشعرية التي تزخر بالحركية
والتدفق الموسيقي المناقضان للسكونية والثبات، ويتسم الشعر الريفي في مجمله
بالطابع الغنائي المرتبط خصوصا بهموم الذات الإنسانية وآمالها، وينحو أحيانا إلى
الإيغال في تبني النزعة التراجيدية، وتتنوع أجناس القصيدة الشعرية بالريف مابين
القصيدة الملحمية والغنائية والأسطورية والقصصية والرثائية والأنشودة ...
ويرتبط الشعر الأمازيغي في الريف بالأغنية
ارتباطا جدليا وثيقا، حتى أنه يصعب الفصل بينهما، فإنشاد الشعر الريفي وإلقاؤه هو
في الوقت ذاته أداء غنائي، فلازمة " أيارالا بويا " تنتشر في الريف
انتشارا واسعا، وخصوصا في الريفين الأوسط والشرقي، وهكذا تحضر هذه اللازمة حتى في
غرب الريف " بآيث بوفراح" و"آيث يطفت "، باستثناء قبائل
ترجيست من "صنهاجة سراير "، وأولاد "ستوت" العربية بالريف
الشرقي، وتحضى بقيمة كبيرة على وجه الخصوص في قبيلة " آيث ورياغل"
و" إكزناين" و"تمسمان"، ويختلف أداؤها بالطبع من قبيلة ريفية
إلى أخرى، وإن كانت الصيغة التعبيرية لا يكاد يمسها أي تغيير.
ويذهب الأنتروبولوجي" دايفيد
هارت"، في كتابه: "آيث ورياغر، قبيلة من الريف المغربي، دراسة
إثنوغرافية وتاريخية" والمترجم من قبل الأساتذة: محمد أونيا، وعبد المجيد
عزوزي، وعبد الحميد الرايس، "أن النساء كن يغنين في فترة (الريفوبليك)،
العذارى منهن، المتزوجات، والمطلقات، لكن ابن عبد الكريم حرم هذا النشاط بالنسبة
للمتزوجات والمطلقات، ويستمر هذا التقليد منذ ذلك العهد إلى اليوم"، وتتكون
مجموعة "الرايس" الغنائية، أو "راعيارث " ، من أربع فتيات،
وفي الوقت الذي تقوم فيه الاثنتان منهن بترديد اللازمة، فإن المتبقيتان يقمن
بإنشاد "إزران"، أي الأبيات الشعرية الغنائية الريفية، ويتعلق الأمر
بنفس المحاور الموضوعية التي يتداولها الشعر الأمازيغي بالريف ( أعباء الحياة
اليومية- الهجرة- الحب العفيف- الغربة ......).
وتمتاز أبيات " أرالا
بويا " بالصدق العميق البعيد عن التكلف والاصطناع، والبوح بالمشاعر الدفينة
بطريقة عفوية وتلقائية، وبسليقة ذهنية خالصة، يطبعها الصفاء والتطلعات والأمنيات
المرتقبة، كما عرف الريف الموسيقى والغناء المرتبطان "بإمذيازن " الذين
كان يطغى على فنهم العبث الماجن والسعي وراء الكسب التجاري نظرا لوضعهم الاجتماعي
البئيس، وبالإضافة إلى مجموع الأدوات التي استعملوها في التغني "بإزران
"، رددوا في غنائهم أيضا مقاطع خاصة بالدارجة، من قبيل: "مالي، مالي،
مالي" وهذا النوع لا يحظى بمثل ذلك التقدير والمعزة اللذين خص بهما كل من:
" أرالا بويا وإزران " بالريفين الأوسط والشرقي.
وتختلف الدراسات بشأن الأصل التاريخي
والأنتروبولوجي للازمة " أرالابويا " بين فترة هجوم أمير المسلمين وقائد
دولة المرابطين يوسف بن تاشفين على مدينة النكور في القرن العاشر الميلادي، وخروج
النسوة والفتيات في حالة من الهلع والاسترسال في دوامة من البكاء، لترديد "
أرالا بويا " بشكل مأساوي، وسط أنقاض المدينة المحترقة لهيبا، والمخربة أسوارها، بعد
مقتل آبائهن، وبين قائل بأن " بويا " يحتمل أن تكون اسما لأحد الآلهة
الريفية القديمة، وعلاقة بالموضوع ذاته، كانت الفتيات بقبيلة " آيث
ورياغل" في الأعراس يتوجهن " بإزران" إلى شباب القرية فيؤدي ذلك
إلى إثارة جو خاص، يعقبه "مفرقعات" وإطلاقات بندقية خلال
"الريفوبليك" وزغاريد نسائية " أدجوارو" كدلالة على مدى عمق
التجاوب والفرح المتحكم في كل الأطراف.
ومهما يكن الأمر، فالذي يهمنا
بالأساس، كون أن تكرار هذه اللازمة: "أرالابويا"، قد تكون لصيقة
بالمجتمعات التقليدية، أي ما قبل القراءة والتلقي البصري، فالأذن والتلقي السماعي
يعملان على بناء النص الشفهي أيضا، كما أن التكرار له دائما دور تخفيفي وسحري على
النفس، لأنه يساعد على التحمل أكثر ومقاومة التعب، وكنموذج على مدى الصدق الفني
وجمالية الشعر الأمازيغي بالريف، المرتبط أيما ارتباط بالأغنية الريفية.
*بتصرف عن الأستاذ محمد لمرابطي
تعليقات