القائمة الرئيسية

الصفحات

"طيارون أمريكيون على الجبهة الريفية: قصة سرب الحرس الشريف في حرب الريف"

"طيارون أمريكيون على الجبهة الريفية: قصة سرب الحرس الشريف في حرب الريف":

بقلم الأستاذ: محمد الداودي[1٠]

    ملخص مداخلتي في ندوة جامعة "إيكس مارسيليا" بمدينة "إكس أون بروفونس" بمناسبة مئوية أنوال (الندوة تحت عنوان "حرب الريف: مقاربات جديدة – فرنسا، إسبانيا، المغرب"):

عنوان المداخلة: "طيارون أمريكيون على الجبهة الريفية: قصة سرب الحرس الشريف في حرب الريف":

     تأتي المداخلة في إطار توسيع مقاربة حرب الريف من الناحية الجغرافية والثقافية من مقاربة عابرة للمتوسط (فرنسا، إسبانيا، المغرب) إلى مقاربة عابرة للأطلسي، وذلك بتسليط الضوء على الولايات المتحدة سواء من خلال صدى الحرب داخل الولايات المتحدة نفسها أو من خلال الجالية الأمريكية المهمة التي كانت تقطن بباريس خلال تلك الفترة، مع محاولة رصد التفاعل بين ضفتي الأطلسي في هذا الموضوع. ويأتي الاهتمام بسرب الطيارين الأمريكيين في الحرب في هذا الإطار، كمحاولة لتصحيح مجموعة من المغالطات التي ترددت في الكتابات التاريخية (التي تبقى قليلة جدا) التي اهتمت بالموضوع من جهة، ومحاولة ملء الفراغات التي نجد في هذه الكتابات من جهة أخرى. ألخص هذه المغالطات والفراغات في ثلاث نقاط أساسية لكنها ليست الوحيدة: أولا، الربط الخاطئ بين سرب الحرس الشريف وسرب لافاييط في الحرب العالمية الأولى، ثانيا، الغموض والتضارب والخلط الحاصل في الكتابات التاريخية على مستوى المعلومات حول أعضاء هذا السرب وهوياتهم وعددهم، وثالثا، الغياب الكامل لأية محاولة للتركيب التاريخي للدور الحربي لهذا السرب وطبيعة العمليات التي قام بها والمجال الجغرافي لهذه العمليات.

      ولا يستثنى المقالان الوحيدان اللذان نشرا حول الموضوع من هذه الهفوات، أي مقال الباحث المغربي المصطفى عزو ومقال المؤرخ العسكري الأمريكي وليام دين. وتتكرر هذه الهفوات والفراغات سواء في ما كتبه مؤرخون وكتاب أجانب مثل فورنو ووولمان أو في الإشارات التي نجد في كتب الباحثين المغاربة الذين نقلوا أو أعادوا إنتاج هذه الهفوات. لكن ثمة عوامل متعددة ساهمت في هذا الخلط. من بين هذه العوامل: أولا، كون القانون الفرنسي يشترط على المنخرطين الأجانب التجنيد في اللفيف الأجنبي كوسيلة وحيدة للتجنيد هو أمر دفع بالسلطات الاستعمارية الفرنسية إلى إلحاق الطيارين بالسلطان المغربي، ومن هنا جاءت التسمية (Escadrille de la garde Chérifienne). وهكذا كان هذا السرب الوحدة العسكرية الأجنبية الوحيدة التي تمت الاستعانة بها في حرب الريف من طرف الفرنسيين، كما أنه يعتبر من الناحية التقنية أول سرب جوي في الجيش المغربي. وهذا ما يفسر انعدام أية وثائق لعضوية هؤلاء الطيارين في سرب الحرس الشريف لأنهم لم يوقعوا أية أوراق ولم تسجل مشاركتهم بشكل رسمي ليس فقط بسبب القانون الفرنسي، بل أيضا لدفع الحرج أمام القوى الكبرى خاصة إنجلترا والولايات المتحدة. أضف إلى ذلك أن الصحافة الفرنسية التي تحمست لهذه المشاركة عند نشأة السرب وبداياته، لم تعر لها اهتماما كبيرا بعد ذلك، وهذا ما يصعب من محاولة تتبع عمليات السرب. الصعوبة الإضافية في هذا السياق تكمن في أنه رغم أن سرب الحرس الشريف قد قام كوحدة كائنة بذاتها بعمليات عديدة إلا أن الطيارين الأمريكيين وفي مناسبات عديدة قد حلقوا أيضا رفقة الفرنسيين في العمليات الحربية خاصة مع السرب الرابع والسرب السابع عشر من الأسطول الجوي الفرنسي في المغرب، وهو ما يجعل من الصعب محاولة تتبع العمليات الحربية للأمريكيين وتمييزها عن عمليات الجيش الفرنسي. كل هذه الصعوبات تفسر إلى حد ما تضارب المعلومات وخلط الأسماء الذي نجد في الكتابات حول الموضوع. ولمحاولة تجاوز هذه الصعوبات، حاولت الاستعانة بمصادر مختلفة من الأرشيف والتقارير الصحفية ووثائق منشورة وغير منشورة. أخص بالذكر هنا مخطوط مكتوب غير منشور لأحد هؤلاء الطيارين حول تجربته في سرب الحرس الشريف خلال حرب الريف.

     وقد كان هذ "المخطوط" محفوظا في أرشيف العائلة ثم زودني به ابن هذا الطيار قبل وفاته (أي الإبن) بعد محاولات للعثور عنه والاتصال به دامت عدة سنوات. وبما أن الصحافة الأمريكية، على خلاف الصحافة الفرنسية، قد تابعت بشكل مستمر مشاركة مواطنيها في الحرب، فقد كان لزاما القيام ببحث مستفيض في التقارير الصحفية التي كتبها الصحفيون الأمريكيون في مختلف الجرائد الأمريكية. هنا يمكن التمييز بين صنفين، الصنف الغالب وهو الذي كان يستقي معلوماته من السلطات العسكرية الفرنسية والإسبانية وكانوا في مرات عديدة يرافقون هذه القوات في عملياتها. من بين هؤلاء فلويد غيبنز مراسل الشيكاغو تريبيون، وكلارنس سترايت مراسل النيويورك تايمز ووايث ويليامز مراسل مجلة ذو ساتدي إيفنينغ بوست، وكارل فون ويغاند مراسل ما يسمى بجرائد هيرست (مثل سان فرانسيسكو إيغزامينر) والذي حلق رفقة أعضاء السرب في رحلتهم الأولى من باريس إلى الرباط (تمت الاستعانة أيضا بوثائق هذا الصحفي الموجودة بأرشيف مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا). لذلك نجد بأن تقارير هؤلاء أرسلت في غالبيتها من وزان وفاس والرباط. في الجهة المقابلة نجد الصنف الثاني الذي ضم صحفيا أمريكيا واحدا نقل تقاريره من الريف مباشرة وهو فنسنت شيين الذي تزامنت الفترة التي أمضاها في مختلف مناطق الريف خلال رحلته الثانية، (أي سبتمبر وأكتوبر وبداية نوفمبر، رحلته الأولى كانت في يناير) مع نفس الفترة التي كان فيها السرب يشارك في العمليات الحربية للجيش الفرنسي، بل إنه تعرض لقصف الأمريكيين في الشاون ثلاث مرات. كانت تقارير شيين ذات أهمية قصوى ليس فقط لأنها نشرت في صحف متعددة بحكم عمله لصالح "اتحاد جرائد أمريكا الشمالية" الذي كان يضم جرائد عديدة مثل الواشنطن بوست، بل أيضا لأن هذه التقارير كان لها دور أساسي في تنوير الجمهور الأمريكي حول حقيقة الحرب الاستعمارية في الريف، ولذلك فقد كان لشيين دور لا يستهان به في وقوف جزء من الرأي العام الأمريكي ضد مشاركة الطيارين في الحرب، وهو الاتجاه الذي كان سائدا داخل الولايات المتحدة بشكل عام كما يظهر من خلال تحليل أعمدة الصحف وكذلك رسائل القراء، أو كما نلاحظ في بيانات عدد من المنظمات والهيئات (بما فيها خاصة منظمات الأمريكيين السود والمنظمات النقابية).

     حاولت التعرض أيضا للأسباب التي دفعت بهؤلاء الأمريكيين للتجند في حرب الريف لصالح الفرنسيين، وخلصت إلى أن السبب الرئيسي هو تعاطفهم مع فرنسا كدولة و"حضارة" ومعاداتهم للشيوعيين والألمان، وهو تعاطف سبق حرب الريف، بل إن عددا منهم كان يسكن في فرنسا قبل ذلك. ما تبينه الوثائق المدروسة هو أن الدعاية الاستعمارية الفرنسية حول علاقة عبد الكريم المزعومة بالشيوعيين وامتلاكه المزعوم لسرب جوي حديث يقوده طيارون ألمان وأكاذيب أخرى كان لها دور فعال في التأثير على هؤلاء الطيارين. من الجوانب الأساسية الأخرى التي ترتبط بهذا الفصل من تاريخ حرب الريف محاولة التأريخ للعمليات الحربية للسرب الأمريكي الشريف. تسمح لنا الوثائق التي تم الاطلاع عليها بالاستنتاج بأن العمليات الحربية للسرب قد تركزت في نقط معينة أغلبها بمنطقة جبالة: مدينة الشاون، وتغزوت بني حسان (مقر قيادة أمحمد بن عبد الكريم)، ومحيط منطقة وزان، والقرى الكائنة شرق نهر اللوكوس، والقرى الكائنة شمال ورغة خاصة على طول واد أودور وهي العمليات التي كانت، حسب ما نستنتجه من مخطوط الطيار بول روكويل، الأكثر عنفا وتدميرا من بين عمليات السرب الأمريكي.

ثمة جوانب أخرى عديدة مرتبطة بهذا الفصل من حرب الريف، أحاول الإحاطة بها في عمل باللغة الإنجليزية، وأتمنى تحويله مستقبلا إلى عمل باللغة العربية.

 



[1]  تنويه:  ننشر هذا الملخص بموافقة الأستاذ محمد الداودي .


تعليقات

التنقل السريع