القائمة الرئيسية

الصفحات

"معطيات من قلب معركة أنوال المجيدة"

 



"معطيات من قلب معركة أنوال المجيدة"

.." وفي هذا اليوم، استشهد أحد الأبطال الممتازين وهو السيد محمد بن السيد أحمد الأجديري، الذي كان من المسيرين الممتازين للمجاهدين في خط القتال، وذلك أن رحمه الله كان جالسا مع جماعة من المجاهدين،..في حفرة معدة لمقاومة العدو في الخط الأمامي، يذكرون الله جهارا، فأطلق العدو الموجود بالقشلة المحاصرة النار من بنادقه على أحد المجاهدين رآه أمامه فأصابت إحدى الرصاصات قلب هذا الرجل العظيم فمات في حينه. وبموته يكون الأمير قد فقد اثنين من رفاقه داخل 24 ساعة وهما الحاج حموش الأجديري، والسيد محمد بن أحمد الأجديري. وقد ساهم هاذان المجاهدان في تكوين هذه الحركة المباركة أكثر مما يتصور حيث أنهما لم يفارقاه أبدا منذ أن قام يدعو للجهاد.

وفي عشية هذا اليوم الأربعاء هرب ليلا من القشلة المحاصرة جنديان مغربيان كانا في صف الجيش الاسباني وأخبر الزعيم الخطابي بأن القائد الأعلى لأركان الحرب بمليلية سلفستري يوجد الآن بأنوال، وأن هذا الأخير أبرق إلى قبطان القشلة المحاصرة وأخبره بأن له قوة جبارة سيهجم بها غداة الخميس، وأنه سيرفع الحصار على القشلة ولو كلفه من التضحية والخسارة ما كلفه.

وحينئيذ قام الزعيم الحطابي فجمع القوة الاحتياطية التي كانت بأمزاوروا ودخل بها إلى خط المعركة الذي يوجد بين القشلة المحاصرة وبين أنوال المقدر مسافته طولا بنحو ست كيلومترات، وتفقد الزعيم بنفسه جميع مخافر المجاهدين في تلك الليلة ونظمهم أحسن تنظيم، وذكرهم بأن العدو سيهجم غداة يوم الخميس بما يملكه من قوة، وأن آخر معركة هي معركة الغد، وبعث الأبطال الممتازين بشجاعتهم إلى الخطوط الأمامية التي هي أشد خطرا على المراكز الأخرى، وأخبرهم بما أخبره به الجنديان اللذان هربا من القشلة، وكان في عزم الزعيم الخطابي أن يجلس مع المجاهدين الأماميين ليحارب معهم بنفسه، لكنهم طلبوا منه بإلحاح أن يفارقهم ويتأخر إلى الوراء لأجل تسيير كل المراكز. وعند ذلك تأخر إلى الوراء بعدما دعا لهم ووعدهم بأن المعركة ستنتهي يوم الخميس حتما، وأن النصر سيكون حليفا للمجاهدين.

وفي صباح يوم الخميس هجم العدو بجميع ما يملكه من القوة التي وردت عليه من إسبانيا، ومن تطوان، ورجال القبائل التي استحضرها المسماة ب "الحْركة" وتقدر هذه القوة ب 40000 و 20000 مقاتل من رجال القبائل، فدارت معركة شديدة لم يسبق لها مثيل في جميع المعارك التي خاضتها إسبانيا منذ دخولها للتراب المغربي.

استمرت المعركة نحو ثلاث ساعات ولم يستطع العدو اختراق صفوف المجاهدين، رغم استعماله جميع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وبعض الطائرات التي ظهرت لأول مرة في الميدان الحربي بالريف، غير أنه لم تسقط أية قنبلة منها.

وفي الأخير تقدم أحد المرتزقة يسمى موح علي (بُوتَنْشوشْتْ) من قبيلة بني اسعيد على رأس "الحركة" التي كانت بجانب العدو من رجال القبائل، بعد أن وعد هذا المرتزق سيده سلفستري بأنه هو الذي سيخترق بشجاعة صفوف المجاهدين، ويوصل المئونة إلى القشلة المحاصرة وبفك الحصار عنها، فتقدم هذا المرتزق في الصف الأول مع أنصاره إلى أن دخل من جهة اليمين في وسط المجاهدين.

وعند ذلك تصدى له المجاهد الغيور الحاج الراضي الزفزافي الورياغلي غير مبال بنيران المرتزق وأنصاره إلى أن وصله وقتله وانهزم أنصاره، وبقي هذا الخائن مطروحا على الأرض. وبعد ذلك انهزم العدو من كل الجوانب، فانتهت المعركة التي دامت من الضحى إلى ما بين الظهر والعصر.


محمد محمد عمر بلقاضي، أسد الريف، مذكرات عن حرب الريف، الطبعة الثانية، 2006. صفحات: 120-121-122.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع