القائمة الرئيسية

الصفحات

كتاب: جرس العشيرة ''مقالات كولونيالية عن الريف الإثنوثقافي''

 

كتاب: جرس العشيرة ''مقالات كولونيالية عن الريف الإثنوثقافي''

 

بقلم الأستاذ: أسامة الزكاري 

       أصبحت العودة المتجددة للباحثين المغاربة المعاصرين لترجمة مظان المرحلة الكولونيالية أمرا محوريا في جهود كتابة تاريخ المغرب. كما أن حصيلة البحث المونوغرافي والإسطوغرافي الذي أطرته مؤسسات بحثية فرنسية قبل البداية الفعلية لمرحلة الاستعمار سنة 1912، شكلت حقلا مشرعا لتجاوز دائرة الطابوهات التي رسمتها “المدرسة الوطنية” في كتابة تاريخ المغرب، وهي المدرسة التي برزت في سياق زخم عاطفي، أججته ظروف معركة الاستقلال، وأرخت تبعاته بظلالها الممتدة على عطاء الكثير من ممتهني صنعة كتابة التاريخ إلى يومنا هذا. لقد قيل الشيء الكثير عن التراث السوسيولوجي والتاريخي والإثنوغرافي الكولونيالي، وبرزت الكثير من صيغ التبخيس من قيمه بحكم طابعه الوظيفي الفاقع الذي مهد المجال المغربي أمام المد الاستعماري ثم ساهم في تأطير هذا المد وفي توفير له المعرفة العلمية الضرورية لإنجاح فعلي الإخضاع والتحكم الاستعماريين.

       ومع تواري ضغط المرحلة الكولونيالية، بدأ المؤرخون المغاربة يعودون إلى “ذاتهم العلمية”، عبر إعادة النبش في مظان التراث الكولونيالي، تجميعا لمصادره وتصنيفا لمواده وتفكيكا لمضامينه واستثمارا لخلاصاته. وكانت النتيجة، أن انتبه الجميع لخطورة الأحكام الانطباعية والتوصيفية العامة التي تحكمت في رؤية المغاربة لتراثهم الكولونيالي، باعتباره “غنيمة حرب”، على حد تعبير أحد الكتاب الجزائريين المعاصرين، بما له وبما عليه. وعلى أساس ذلك، أصبحت القناعة راسخة بأهمية العودة للنهل من معين هذا التراث، خاصة وأنه حمل تجديدات منهجية ومعرفية لا عهد للمؤرخ التقليداني المغربي بها، إلى جانب أنه ظل ينتج متواليات من الأسئلة التفكيكية الضرورية لفهم سياقات تكون الدولة والمجتمع المغربيين وتطور أنساق الفعل والعطاء، وهي الأسئلة التي تكاد تغيب –بالمطلق- من بين متون الإسطوغرافيات الكلاسيكية المغربية. لذلك، بدأنا نلاحظ عودة علمية لتنظيم الاشتغال على ذخائر هذا التراث، بشكل يتجاوز أحكام القيمة المهووسة بالتركيز على أبعاده الوظيفية المعروفة، سواء خلال المرحلة التي سبقت دخول الاستعمار إلى بلادنا، أم خلال الفترات اللاحقة عن ذلك. وكانت البداية مع فعل الترجمة التي عرفت حيوية مثيرة، ووجدت تعبيرات أكاديمية عنها داخل رحاب الجامعة المغربية، مركزة على الأعمال التأسيسية للمشروع الكولونيالي ببلادنا، مثلما هو الحال مع منشورات “البعثة العلمية الفرنسية” بالمغرب، أو منشورات دورية “الأرشيفات المغربية”، أو منشورات “الأرشيفات البربرية”، أو منشورات “معهد الدراسات العليا المغربية”، أو منشورات “الشعبة السوسيولوجية للشؤون الأهلية،..

       في سياق هذا الاهتمام العلمي المجدد، يندرج صدور كتاب “جرس العشيرة- مقالات كولونيالية عن الريف الإثنوثقافي”، للمترجم جمال أبرنوص، وذلك سنة 2016، في ما مجموعه 94 من الصفحات ذات الحجم الصغير. والكتاب، تجميع لثلاث دراسات كولونيالية، أنجزها أصحابها في سياق الجهد الفرنسي المؤطر لعمليات الاستكشاف العلمي الاستعماري لمنطقة الريف خلال عهد الاستعمار المؤرخ عمليا له منذ القرن 19 مع تزايد الهجمة الأوربية لإضعاف البلاد ولتمهيدها للاحتلال المباشر. ولقد لخص الأستاذ "جمال أبرنوص " الإطار العام لعمله في كلمته التقديمية، عندما قال: "هي ترجمة منتقاة بسبق عناية وإصرار، تهم مقالات فرنسية خطت بداية القرن الماضي، أي أنها تعود، زمنيا، إلى الفترة ما قبل الكولونيالية، لكنها كولونيالية من حيث المشروع والخلفية. وهي مقالات تتحدث عن الريف حديثا ثقافيا جامعا لا يقيم حدودا دقيقة بين المجالات والحقول المعرفية، إذ يمزج فيها الباحث بين الأدب وغيره من فنون القول والفرجة واللسانيات والإثنوغرافيا والإثنوموسيقولوجيا، كما يمزج في آخر بين الجغرافيا البشرية والتاريخ والأسطورة… هي كتابة مليئة بأحكام القيمة… تسعى إلى فهم السلوك والأهواء، وتفسير الطباع. لذلك سيتلمس القارئ ميلا لافتا من قبل أصحابها صوب نوع من الإثنوغرافية الوظيفية، أي تلكم الإثنوغرافية التي تنتقي من أشكال التعبير ما يبدو نافعا للمؤسسات الراعية للمشاريع البحثية. وهي المؤسسات التي ستنخرط بعد حين في مشاريع التهدئة والتوغل في المجال…" (ص ص. 7-8).

تتوزع مضامين الكتاب بين دراسة "م. رزوق" حول التقسيم السياسي والإداري بالريف، والمنشورة بدورية "الأرشيفات المغربية" سنة 1905، ودراسة "صامويل بيارناي" حول الشعر الشعبي المغنى، والمنشورة بدورية “الأرشيفات البربرية” سنة 1915، ثم دراسة جورج كولان حول لهجة الغماريين البربرية، والمنشورة بدورية “هيسبريس” سنة 1929.

    هي دراسات إثنوغرافية وسوسيولوجية تعيد مساءلة رصيد التراث الرمزي لمنطقة الريف من خلال شواهده اللامادية وتعبيراتها الشفوية الغنية والمتداخلة. وإذا أضفنا إلى ذلك قوة الترجمة وغزارة توضيحات الأستاذ أبرنوص وتدقيقاته المرافقة، أمكن القول إننا أمام متن شيق لا شك وأنه يوفر للباحثين وللمهتمين فرص إعادة تقييم نظيمة الإبداع والخلق داخل التراث الإثنوثقافي لساكنة منطقة الريف، بتعدد مجالاته وبخصوبة روافد إبداعاته

 


تعليقات

التنقل السريع