الأمازيغية بين التدوين والاندثار
إن التطور الذي يعرفه العالم مع تربص
وحش العولمة يجعلنا نعيد النظر في سيرورة اللغة الأمازيغية اجتماعيا وأكاديميا، والتي
لا تزال منغمسة في تحديات كثيرة تعيق مشروع إحياء الأمازيغية، إذا كان حقا هناك
مشروع.
نعرف أن الأمازيغية خطت خطوات ايجابية
لاسيما في ترسيمها، والتي يقر بها الدستور المغربي لغة وطنية رسمية، ولا من
الناحية التدوينية، فهي في تصاعد ملحوظ، غير أنه تبقى هناك إكراهات في بعض الأحيان
في النشر، ويعود ذلك إلى كون الثقافة في المغرب لا تكرس له ميزانية ملائمة.
إن الاشكال الحقيقي اليوم هو أن الأمازيغية
حتى وإن كانت مدونة في كتب (نقد – شعر – مسرح – صحافة - ...) فإن " تبني لغات
الوافدين من طرف الأمازيغ أنفسهم على اعتبار أنها لغات الحكم الدنيوية أو الروحانية،
قد حد من حظوظ تطور النمو الذاتي للمجتمع الأمازيغي، مما عاق تطور لغته وثقافته. و
يمكن أن نستنتج مما سلف أن النخبة لم تتمكن من نقل الثقافة المكتوبة و المؤسساتية
لأن الأمازيغية لم تكن لغة وثقافة سلطة واعية بخصوصية هويتها، لذا أضحت الثقافة،
أساسا، ثقافة التقليد الشفهي"(1) مما قد تتلاشى شيئا فشيئا مع مرور الوقت إذا لم
ننتبه إلى هذا الجانب، إضافة إلى كون الهجرة إلى الخارج التي تجعل المتكلم بالأمازيغية يندمج مع ثقافة
مغايرة و لغة مغايرة، إلى أن يعتاد ذلك، فينسى لغته الأصلية، و حتى إن لم يحدث ذلك
فاستمرار النسل الأمازيغي عند الجالية محكوم عليه بالموت، و يشير أحمد بوكوس إلى
هذه النقطة بالذات حيث يقول: "إن الجماعات الناطقة بالأمازيغية سواء داخل
الدول المغاربية، أو بالدول التي تستقبل تلك الهجرة، خاصة أوروبا الغربية، تخضع
لتأثيرات سياسات تنهج نهج الإقصاء المؤسساتي للحقوق اللغوية و الثقافية لتلك
المجموعات"(2).
ولكي
لا نغض النظر على طرف و نترك الآخر، فقضية الوعي بالأمازيغية كان الأجدر أن يرتبط
بخريجي الجامعات المغربية، خصوصا طلبة شعبة الدراسات الأمازيغية، لانفتاحهم على
الأمازيغية و على كل مكوناتها، و السؤال هنا يطرح نفسه، هل خريجي شعبة الدراسات
الأمازيغية يكتبون بالأمازيغية و يتحدثون بها مع العامة؟ هل لديهم حقا مشروع يروم
الأخذ بالأمازيغية نحو الطريق الصحيح؟
إن الملاحظ من خلال تتبعي لهذا الموضوع أنه
إن لم نقل إن نسبة كبيرة من خريجي شعبة الدراسات الأمازيغية لا يكتبون (في مواقع
التواصل الإجتماعي – المجلات - ...) و لا يقرأون بها (النصوص المنشورة عبر المواقع
الإجتماعية أو الإلكترونية – التفاعل مع الإصدارات الجديدة المتنوعة من أدب أو
ابداع)، و هذا إشكال حقيقي يجب التطرق إليه. الكل يعرف أن الأمازيغية لازالت في
بدايتها، فالمتلقي العادي أو المهتم بالأدب الأمازيغي ربما ليس مستعدا أو ليس مهيئا
ليقرأ بها و ينغمس في مواضعها (الطرية)، لذلك يجب على الجهات المسؤولة أن تبذل
مجهودا أكثر في هذا الجانب، و يشير عبد السلام خلفي إلى ذلك بقوله "و بالرغم
من ترسيم اللغة الأمازيغية منذ 2011 و تنصيص الدستور على التزام الدولة المغربية
في تصديره باتفاقيات حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، فإن الدولة
بحكومتها المتعاقبة، و معها المؤسسة التشريعية، لم تأخذ، للأسف، ملف الأمازيغية
بالجدية الكاملة، و قد أدت هذه الوضعية إلى إكراهين عويصين، أحدهما ارتبط بغياب
مراسيم و نصوص قانونية و تشريعية توضح وضعية اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية
المغربية و في غيرها من مؤسسات الدولة، و ثانيهما ارتبط بعدم أو ضعف تفعيل النصوص
المشار إليها من طرف الأجهزة التربوية التي تقع تحت وزارة التربية الوطنية"(3). وهذا كله سيكون له تبعات
وخيمة وسيكون التأريخ للأمازيغية سوى سيف حافية حدوده، وحتى قضية القراءة لدى
مجتمعاتنا صارت شيئا جانبيا، وهذا ينعكس أيضا على اللغات الأخرى، التي لها قيمتها الاجتماعية
والثقافية العالمية. ومن بين السبل التي قد تعيد الأمل لتجنب هذا العائق هو تحفيز
المبدعين والكتاب للإبداع والنشر باللغة الأمازيغية، وهذا التحفيز يجب أن يكون منطقيا
حتى تثمر نتائجه في الأمد القريب. مثلا، كثير من المجلات الثقافية الإلكترونية
بالخصوص لا تستمر في النشر وتتوقف بعد أن تنشر عددين إلى ستة أعداد ثم تتوقف.
وانطلاقا مما سبق يمكن القول على أن
الأمازيغية تعيش مرحلة عصيبة، عكس ما يروج له الكثير، بأنها تسير في المسار
الصحيح. وهذه الإشكاليات التي قمنا بصياغتها هي فقط شذرات من التحديات، والتي هي
كثيرة لا يمكن حصرها في إشكال أو إشكالين، ولكن التحدي الحقيقي اليوم هو كيف سيصير
حال الأمازيغية بعد ثلاثين سنة المقبلة، وهنا لا أتحدث عن التدوين بل على التواصل
الشفهي بين الأمازيغ، و لي تخوف في هذا الأمر، و لا أريد أن أجزم و أقول بأنه من
هنا ثلاثين سنة قد لا نسمع شخصين يتحاوران بالأمازيغية، و ربما قد يكون خليطا بين
الدارجة و الأمازيغية، و هذا الخليط اللغوي قد تهيمن عليه الدارجة فتكاد لا تسمع
سوى كلمة أو كلمتين بالأمازيغية.
بقلم: عبد الرحيم دادي التسولي
(1) الهيمنة والاختلاف في تدبير التنوع الثقافي – أحمد بوكوس، ص:113
(2) نفس المصدر ص:109
(3) سؤال الأمازيغية بالمغرب من الإقصاء إلى الترسيم، عبد السلام خلفي، ص:119
تعليقات