القائمة الرئيسية

الصفحات

نقطة نظام: في الأمازيغية واليسار واليمين، ما موقع النقد المحايث؟

 

نقطة نظام: في الأمازيغية واليسار واليمين، ما موقع النقد المحايث؟

بقلم:Yufayan

إن انتقاد اليسار ليس موضة الهدف منها تصفية حسابات حزبوية أو البحث عن موقع القدم داخل هذا التوجه أو تصوّره بقدر ما كان معركة فكرية اعتمدت على الفهم والتفكيك والتمحيص ومشاكسة المفاهيم، كي نختبر إلى أيّ حدّ تؤدي مهمتها في تحليل الواقع لفهمه وتغييره. وسؤال المفاهيم كان أيضا دخولا في معترك فلسفة المعرفة لمساءلة المفاهيم ومدى استيعابها للأشياء أو الموضوع. قد يكون في هذا الاستيعاب عنف مُهول إذا استأنسنا برفض التطابق عند أدورنو أو جدليته اللامتناهية ضدّاً على منطق هيجل التركيبي.

 اليسار عموما أو من ينتسب إليه له نظريته في المعرفة وكنّا نسائل هذه النظرية لمعرفة هفواتها، لأن في الهفوات خطورة في صياغة النظرية العامة والبراكسيس المتعلقة بها. باختصار شديد، يختار اليسار أن يعطي لـ"الموضوع" أهمية قصوى وأولوية في نظرية المعرفة على حساب "الذات"، وبالتالي تكون هذه الأخيرة مُجبرة، دائما حسب تعبير أدورنو، على الذهاب والإياب من وإلى الموضوع في عملية الفكر والتفكير الذاتي حول ذاتها وحول الموضوع من أجل الوصول إلى معرفة الموضوع بشكل موضوعي. وبما أن مبدأ التطابق أو الهوية أو التماهي هو ما يحكم تصور هيجل الذي انتقدته المادية التاريخية أو المادية الجدلية فإن البحث عن عدم التطابق في الموضوع هو ما يُوصل إلى الحقيقة، إذ يوجد في الموضوع ما هو مستعصي على الفهم وعلى الإخضاع لمنهج البحث العلمي الوضعي وتقنياته. فالمجتمع من وجهة نظر نقدية ليس معدّل السلوكات لفاعلين نموذجيين بقدر ما هو معرفة الكلّيّة. هذه الكلية تستعصي ملامستها ولهذا كان أدورنو يدافع عن معرفة الكل من خلال الجزء ومن خلال شظايا الدمار الذي يُحدثه العلم في تناوله للموضوع وتقسيمه للواقع إلى قِمَطرات ومقصورات. الحقيقة إذن ليست هيجيلية بقدر ماهي ضد التطابق والتماهي من أجل استخراج الغير المتطابق. بمعنى أن المفهوم أو النظرية لا يمكنها استيعاب الموضوع كله لأن هناك ما يستعصي عليها الإحاطة به وهذا ما يستوجب الذهاب والإياب من وإلى الموضوع من طرف الذات. لكن هذه العملية تحترم مبدأ المحايثة بالشكل الذي يخوّل للنقد أن يكون ليس داخليا أو خارجيا ولكن محايثا.

ما دفعنا لهذه المقدمة هو أن انتقاد اليسار قد يكون من موقع خارج اليسار، أو موقع داخل اليسار، هذه الثنائية تُذنب بتناسيها لنقد ثالث هو النقد المحايث، بمعنى ذلك النقد الذي يؤسس مضمونه انطلاقا من المعايير أو القيم التي يقول اليسار أنه تبنّاها. لاحظوا معنا أن اليسار  هنا هو الموضوع لذاتٍ راغبة في نقده. هذا النقد المحايث هو الكفيل بأن يغيّر أو يُقوّم الإعوجاج المقصود إن وجد في اليسار وأن يفيد أيضا في فهمه والدفع به إلى مزيد من ملامسة واقعه وتجديد مفاهيمه ومراسه. أما النقد من الخارج فهو يكون من باب الحكم القيمي من طرف من يتبنى أفكارا وتصوّرات أخرى منافية أو متعارضة مع اليسار، وهذا حق واختيار أيضا. لكن النقد المحايث أيضا لمن يقولون بنقد اليسار من الخارج كفيل أيضا بتبيان العيوب والتناقضات و حتى المَرَضيات داخل هذا التصوّر.

كي ندخل في بعض التفاصيل: من السهل جدا انتقاد اليسار من وجهة نظر غير يسارية، هذه الأخيرة قد تكون يمينية. والسؤال المستخلص من النقد المحايث هو: إلى أي حدّ يتناغم دُعاة اليمين مع مضامين وفلسفة اليمين؟ هل يناضلون من أجل حرية حقيقية وفصل سلطات حقيقي وحرية المبادرة الاقتصادية حقيقية وحرية التنظيم حقيقية ؟ لنسلّم من غير صرامة أن هذا التوجه ليبرالي: هل يساهم من ينتقد اليسار من وجهة نظر ليبرالية في إرساء هذه الأسس الليبرالية بما هي فلسفة وأيديولوجية للحرية والتعدد والاختلاف وحرية المبادرة الاقتصادية والسياسية ؟. أهمية النقد المحايث هو أنه يمكّن من فهم مدى تناغم الناقد مع تصوّره وإلى أي حدّ يُنزّله في الواقع ، عوض أن يغطي على الفشل بانتقاد اليسار، هذا الانتقاد الذي اعتبرناه مشروعا أيضا.

رأينا في ما سبق أهمية النقد المحايث ودوره في إضاءة الموضوع المدروس كيفما كان التوجه السياسي أو الأيديولوجي، لكن ما يهمّنا هنا هو علاقة هذا بالأمازيغية والحركة الثقافية الأمازيغية.

النقد المحايث هو الذي يُسائل الموضوع عن إمكانيات تحققه، ويجعل من المعايير المعتمدة في النقد تلك العناصر التي يقدمها الشيء أو يعطيها للنظرية أو حتى المعلن عليها. فجذرية اليسار تُساءل نقديا من خلال مدى التزامه بالجذرية، وديموقراطيته وشعبيته تُنتقد من خلال مسائلته: إلى أيّ حدّ يمارس هذه المبادئ ويُجسّد هذه القيم؟ نفس الشيء بالنسبة للمؤسسة، انتقادها يتم عبر ما تعلنه من مبادئ أو غايات أو وظائف اجتماعية أو سياسية، الخ. النقد المحايث أيضا يؤمن أن هناك متّسعا لإحقاق القيم المعلنة وذلك بفرض احترام القيم على المؤسسة لكونها تعلن عنها وتؤمن بها وهي تُلزمها، وأن هناك متّسعا لمزيدٍ من الحرية والانعتاق ومحاربة الفقر والتهميش والاحتقار، الخ. 

النقد المحايث كثيرا ما ينطلق من الجهة السلبية لما يُعلَن عنه، بمعنى مثلا أن الرفاه الاجتماعي لا يمكن تحديد معاييره لكن النقد المحايث سينطلق من دراسة الظواهر التي تتسم بعكس الرفاه، بمعنى الفقر والبؤس. دراسة البؤس هي ما يعطينا صورة عن ماهية أو تحقّقية الرفاه، دراسة الاحتقار والتهميش هو ما سيكشف عن جدّيّة أو تحقّقية الإعلانات الرسمية عن الاحترام والاعتراف إلى آخره. بعودتنا إلى من ينتقدون اليسار من وجهة نظر أمازيغية قد نسمّيها باليمينية إن صحّ التعبير، إذا كان النقد من منطلق خارجي، يعني بالمنطق الهيجلي، تتناول الموضوع من وجهة نظر ذاتية لا ترى نفسها معنية بتوجه اليسار أو قيمه فمن المفروض أن تبيّن لنا الذات المنتقدة بهذه الطريقة مدى نجاعتها في تبنّي التصوّر اليميني، ولقد أشرنا إلى ذلك من قبل بأن يتمّ التحدّي على أرضية تحقق مبادئ اليمين على أرض الواقع. 


إذ لو كان النقد اليميني صادقا لذهب بعيدا في الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة إلى آخره ولكان أيضا مكان الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية بالنسبة لهم دعامة لبناء توجّه وطني ليبرالي ليست له أيّ عقدة مع التراكم الرأسمالي وانتظام المجتمع كفضاء للحرية. بمعنى آخر، سيكون التوجه اليميني قد أبان عن قدرته في الميدان عن قوة تنظيمية وعن التزام بالقيم التي يمكن أيضا تثمينها مادام الأمر يتعلق بالحرية والكرامة والعدالة واستقلال السلطات، الخ. لكن أن يسكت اليمين على التفاصيل السياسية والمجتمعية ولا يناضل وينظم المواطنين وينشئ تجربة متناغمة وأمينة إزاء القيم التي أوردناها، فنقده لليسار نفاق على نفاق، وجعل الأمازيغية مسوّغا وأداة لنقد اليسار في توجّهه العروبي الإقصائي ونسيان ما يساهم به اليمين الذي يتفرّج على تفكيك كل الصرح الذي راكمته الحركة الثقافية الأمازيغية منذ عقود. لن أصف هنا المعنيين بالأمر بالفيودالية أو الريعيين بل نقول فقط أن المبادئ والممارسة لديهم ليس لها أية علاقة بالليبرالية ولا باليمين. وانتقادهم لليسار لا ولن يستقيم إلا بفهم الجهاز المفاهيمي لليسار وحكّه بمعطيات الواقع والتاريخ كي يستقيم ذلك النقد عوض السباب والطعن غير اللائق. حتى وإن كان النقد قاسيا فيجب أن ينبني على البراهين والدلائل والمنطق الاستدلالي كي يكون النقد مفيدا على مستوى المعرفي وتكون الممارسة النقدية بيداغوجية ومنيرة للقارئ عوض التحريض السهل الذي يدغدغ ولا يبني شيئا مثل الصراخ من دون الفعل البنّاء.

من المؤسف أن هذا النقد وإن كان مشروعا، لا يأحذ الوقت الكافي للشرح والتمحيص والإفادة، لأن الذين ينتقدون لا يريدون أن يُحاسبوا على أساس منطق انتقادهم، أن تقول إن اليسار غير جِدّي في خدمة الأمازيغية فهذا مفهوم، لكن هل المنتقد جِدّيّ بدوره في خدمة الأمازيغية؟ حين يقوم هؤلاء بنقد اليسار بكونه تقدميته غير فعلية، هلاّ يجيبوننا عن تقدميتهم أيضا مادام اليمين أو الليبرالية تقدمية في العمق ارتباطا مع عصر التنوير مثلا؟

تعليقات

التنقل السريع