بقلم الأستاذ: فريد بنقدور
بعد غياب طويل عن مدينة الخزامى، زرتها لأعانقها ولأعانق
ذاكرة متوهجة سكنتني منذ الطفولة. قصدت ساحة فلوريذو بعد
منتصف الليل باعتبارها القلب النابض للمدينة طيلة الليل والنهار، لأجلس خارج
المقهى وأمتع عينيّ بكثرة حركتها الدائبة ومشاهدة حافلات تدخل المدينة من تطوان
وحافلات تغادر المدينة إلى الرباط وفاس ولألتقي بمعارف يفدون يدورهم تلقائيا إلى
ساحة المدينة، إذ بي أجدها جثة هامدة لا تدب فيها الحركة؛
عرجت على "مقهى مرحبا" لأسترجع ذاكرة مقهى
كانت عبارة عن ناد للطلبة ورجال التعليم والناشطين في نقابة التعليم والجمعيات
الثقافية ولتناول كأس قهوة بنكهة إسبانية ومشاهدة القناة التلفزية الأولى
والثانية، إذ بي أجدها خاوية على عروشها لا تسمع سوى هدير قنوات شرقية؛
انطلقت إلى باركي نتشيتا لمجالسة أصدقاء الأمس بالمقهى
والاستمتاع بالهدوء والاخضرار وبالبط والحمام وزقزقة الطيور؛ إذ بي أجدها تغيرت
معالمها وأصبحت فشيشكل؛
زرت صاباضيا عشية لأتفرج في الصيادين الذين يتنافسون على
صيد سمك بوسنان وربوري؛ إذ بي أجد هذا الساحل يرثى له؛
بعد الزوال نزلت إلى شاطئ كيماذو لكي أجلس بشرفة الشاطئ
وأمتع عيني بالمستحمين وبسياحها وباستعراضات التزحلق على الماء للناشط السياحي بوعزة،
إذا بي أتفاجأ بكون هذا المركب السياحي دك دكا وبأن الشاطئ أصبح عبارة عن ركوري؛
بعد العصر قلت سأضرب لمسارية على الأقدام بشارع محمد
الخامس وبشارع عبد الكريم الخطابي وبالطريق المؤدي إلى كيماذو حيث تخرج العائلات
والبنات والشباب للتنزه مشيا على الأقدام ووجد بأن عادة لمسارية على الأقدام عشية
خلال الصيف ما بقيت؛
دلفت إلى سوق الثلاثاء الذي يكون غاصا بالفلاحين الذين
كانوا يأتون لبيع منتوجهم ووجدت الفلاح منقرضا وبائعي السمك يبيعون أسماكا أجنبية؛
شدني الحنين إلى المرسى ونزلت إليها مشيا على الأقدام
لأسترجع ذاكرة النشاط الدؤوب للبحارة العائدين بصيد وفير وأسترجع ذاكرة رواد
المطاعم وأستنشق رائحة السردين المشوي، إذ بي أجد مرسى الخزامى وقلبها النابض أصبح
جثة هامدة.
وجدت نفسي أتجول داخل مدينة / قرية موحشة ومخيفة، غزتها
العمارات، غابت فضاءاتها الخضراء، غاب هدوئها، جبالها مكسوة بالإسمنت المسلح
يتخللها مجمع للبنايات عبارة عن مستوطنات إسرائيلية، مدينة مكتظة ومريّفة (قروية)،
مزدحمة، مكتظة بكثرة السيارات، ملوثة تعبث فيها النفايات، وجوهها شاحبة حزينة،
وغابت ملامحها الأندلسية – المتوسطية بالمرة.
قلت
في نفسي: سأكتفي فقط بالاحتفاظ بذاكرتي بخزامى الأمس بخزامى رائحة السمك الطري
وخزامى الأمن والسلم وخزامى البسمة.
تعليقات