قراءة تقديمية في كتاب
" إبقوين " نبش في الذاكرة
لعبد العزيز طليح
بقلم: محمد ع بد المومن / باحث
من تطوان
لطالما ارتبطت الكتابة عن الريف بتتبع أخبار
الحروب والانتفاضات الشعبية خلال القرنين الماضيين، فبمجرد ما تطرق أذنك هذه
الكلمة، حتى يتبادر على ذهنك الكثير من الأحداث والملاحم التي سطرها مجاهدون صنعوا
بنضالهم تارة، وبدمائهم تارة أخرى أمجادا أحيت النفوس وحفظت الكرامة.
لكن التركيز على الجوانب السياسية والحدثية
(نسبة إلى الاحداث ) التاريخية، أدى الى التعمق في تناول بعض القضايا دون غيرها، وبالتالي
الى التكرار وإعادة اجترار نفس المواضيع والقضايا, كما حجب العديد من المباحث
المهمة وإخراجها من دائرة الاهتمام، فالريف قبل كل شيء هو فضاء جغرافي، ذو خصائص
طبيعية وتنوع بيولوجي، كما أن له جمالا طبيعيا, ينبغي أن يتم التعريف به والحفاظ
عليه، من الاستغلال العشوائي ومن التغول الرأسمالي، وأظن أن المؤلف السيد عبد
العزيز طليح قد بذل جهدا مشكورا، وذلك بتأليفه لكتاب: " في رحاب التربية
البيئية بالمنتزه الوطني للحسيمة "، ومن خلال مشاركته في تأليف: "
المجال البحري بالمنتزه الوطني للحسيمة ".
الريف أيضا فضاء حضاري متميز، حيث إنه يشكل
جزءا لا يتجزأ من الفسيفاء المميزة للكل المغربي، ولكنه في نفس الوقت له ما يميزه،
من الناحية الثقافية واللغوية، ومن ناحية العادات والتقاليد... ويسعى المؤلف من
خلال كتاب: " ابقوين: نبش في الذاكرة " الى التعريف بذاكرة قبيلة ابقوين،
وبالجوانب الحضارية التي تتشاركها من القبائل المجاورة لها، وبالجوانب التي تميزها
وتبرز تفردها.
لماذا هذا الكتاب؟ لأن ما قلناه عن الريف
ينطبق أيضا على قبيلة ابقوين، فلا يعرف العديد من الناس بما فيهم الباحثون في
العلوم الإنسانية، الكثير عن هذه القبيلة حيث لا يذكر اسمها إلا مقترنا بنشاط
قراصنتها ومغامراتهم البحرية التي جرت خلال القرن 19، وبالحملة المخزنية التي
قادها بن بوشتى البغدادي بعدما استسلم السلطان للضغوط الأجنبية، فاتجه نحو (تأديب)
القبيلة، هذا (التأديب) اتخذ صبغة التقتيل فخلف الكثير من القتلى والمشردين، لكنه
لم يستطع اقتلاع قبيلة تضرب جذورها عميقا في تاريخ وجغرافية البلاد. إن الريف
باعتباره موضوعا أثيرا كأفق للتأمل والبحث والتأليف، خصوصا لدى الشماليين من
المغاربة، يتطلب التوسع في تناول قضايا ومواضيع جديدة تساعد على فهم ماضيه وحاضره
واستشراف مستقبله، دون التخلي طبعا عن المواضيع (الكلاسيكية) التي يجب ترقية البحث
فيها بمناهج ومصادر جديدة. وأظن أن الباحث كان موفقا في اختيار موضوع غير مطروق،
وهو موضوع الذاكرة التي نبش فيها بكل راحة بمعول الراوية الشفوية والبحث الميداني،
أما منهجية البحث التي بني عليها الكتاب فقد ساعدته على التعمق بشكل متكامل في
جوانب الذاكرة البقيوية.
يندرج هذا الكتاب ضمن سياقات متعددة منها ما
هو كوني، حيث غدا الاهتمام بالذاكرة انشغالا عالميا، بسبب الثورة التكنولوجية
وهيمنة الثقافة الأحادية التي ستؤدي الى زوال الكثير من الانماط الثقافية. سياق
محلي، حيث تزايد الاهتمام في السنوات الاخيرة بهذا النوع من القضايا فتزايد
الباحثون فيه والمهتمون به.
وهناك
أيضا سياق شخصي، حيث أرى أن الباحث بعدما اشتغل على الجانب الطبيعي، وبعدما تعرف
عن قرب على ما تختزنه منطقته من كنوز حضارية، وجد في نفسه الأهلية ليؤلف هذا
الكتاب, الذي يدل على نضج منهجي ومعرفي, وربما أراد أيضا أن يحفظ لأبناء قبيلته
ذاكرتهم, وأن يعرفهم وأبنائهم وبما يوجد وما تواجد من ملامح حضارية بالمنطقة,
خصوصا أن الكثير منهم هاجروا نحو مناطق أخرى داخل المغرب وخارجه. يتضمن كتاب
" إبقوين: نبش في الذاكرة " ثلاثة أقسام تنقسم بدورها إلى سبعة فصول،
ففي الفصل الاول، توقف الباحث عند تسمية القبيلة منطلقا من المصادر اليونانية،
وصولا إلى الابحاث التي قام بها الاجانب خلال فترة الحماية الإسبانية, مرورا
بالمصادر مغربية عديدة تعود الى فترات متفرقة من تاريخ البلاد, وخلص إلى أن اسم
القبيلة له أربع تجليات: البكوات، بقوية، بقيوة، ابقوين.
وفي الفصل الثاني، وعنوانه " جينيالوجيا
القبيلة " نقف عند عمل بحثي جاد, تطلب من الباحث جهدا كبيرا, حيث غاص في أصول
سكان القبيلة، ومناطق استقرارهم، وذلك باعتماد على تقسيم القبيلة إلى ثلاثة أقسام,
( تسمى أرباع ) وتقسيم الارباع، إلى مداشر والمداشر إلى عائلات، ثم متبعا بعد ذلك
خطوط النسب الموجود بهذه القبيلة، وهذا عمل ندر من أنجزه ويستحق الإشادة.
أما الفصل الثالث، فخصصه الباحث للمناسبات الفلاحية،
التي اعتاد المحليون الاحتفال بها، مركزا على العادات المتبعة في كل احتفال
كالحاكوز، والعنصرة، وأغنجا، ومن الجوانب المميزة لهذا الفصل إيراد المؤلف للعديد
من القصائد التراثية باللغة الأمازيغية، والتي تعكس ذهنية السكان, وقد كان من
المستحسن أن يخصص لها فصلا مستقلا، لما للنظم بمختلف تجلياته من أهمية في إبراز
الجانب الحضاري والذوقي للسكان، بالإضافة إلى كونه حفظ الذاكرة الجماعية للقبائل
المغربية سواء في الريف أو في مناطق أخرى.
أما الفصل الخامس، والذي يعتبر أكبر فصول
الكتاب من حيث عدد الصفحات فنجد فيه تدقيقا لتفاصيل المناسبات الاجتماعية، كالزواج
والعقيقة والجنائز. وفي الفصل السادس، نقف فيه عند الجانب الديني، من خلال أولياء القبيلة،
فقد بذل الباحث جهدا كبيرا، في تتبع أسماء هؤلاء، مع تبيان حالة أضرحتهم، ومواقعها
ومركزا على مواسمهم وطقوس الاحتفال بها.
الفصل السابع والأخير، خصصه الباحث للجانب
الاقتصادي، من خلال تركيزه على الأسواق الأسبوعية، مبرزا في بداية الفصل عوامل
اندثار مجموعة من الأسواق، وخاتما بالأدوار الاقتصادية والاجتماعية التي قامت بها الأسواق،
في الماضي والتي لازالت تضطلع بالكثير منها إلى الآن.
إن مما يميز هذا الكتاب بيبلوغرافيته الغنية
بمصادر ومراجع وأبحاث ومقالات متنوعة لكن مع قلة في الكتابات والمصادر الإسبانية،
رغم أن الارشيفات الإسبانية تتوفر على الكثير من الذخائر الوثائقية حول الريف عامة
وقبيلة إبقوين خاصة.
لاحظت أن الكتاب يتضمن في طياته جوانب أخرى
من ذاكرة القبيلة، لم يخصص لها الباحث فصولا مستقلة كالطبخ المحلي والنظم
الأمازيغي، الذي سبقت الإشارة إليه لكن اللباس المحلي والصناعة التقليدية لم ينالا
الاهتمام الكاف.
تضمن الكتاب الكثير من الصور التي خدمت موضوعه،
وأسهمت في إغناء محتوه بالإضافة إلى العديد من الخرائط الدقيقة طوبونيميا، وهذا في
الحقيقة تفتقر إليه الكثير من الدراسات المنجزة بالمغرب.

تعليقات