القائمة الرئيسية

الصفحات

المخزن الماهية، و الجذور و الاستمرارية تحت شعار الأصالة و المعاصرة

المخزن الماهية، و الجذور و الاستمرارية تحت شعار الأصالة و المعاصرة
  
هند الوالي عروب
hind_life@yahoo.fr


هل يمثل – فعلا- نظام المخزن حالة متفردة عصية عن البحث، أم أنها مجرد دعاية لإحباط الباحث، وإعاقته نفسيا حتى لا يسبر غور هذه البنية المكناة مخزنا؟ وهل يتمتع بحس سياسي نادر أم حس تعينه على تحقيقه شبكاته المتوغلة في كل مكان؟ كيف أعيد إنتاج خطاطات المخزن ما قبل الاستعماري وصلاته بمحيطه وشبكاته الوسائطية؟ أي دور للمستعمر في لإذكاء فعالية العقل التسلطي المخزني؟ وبالتالي، كيف استطاع المخزن أن يؤمن استمرار يته في المغرب " المستقل"؟ و ما هي طبيعة الآليات التي ينتجها ليحقق فعل المحافظة على وجوده وعلى الثقافة السياسية المساندة له؟ وهل هذه الآليات تتطور مع الزمن، أم أنها تبقي على عمقها التقليدي وتكتسي مساحيق المراحل؟ وكيف تقوت الثقافة السياسية المخزنية عبر مسارها التاريخي؟ ...أسئلة مؤرقة نتقدمها ببحث ما هية المخزن، فما هو أو من هو المخزن؟.

أولا: المخزن و إشكالية التعريف: ما هو أو / ومن هو المخزن؟
  
هل يفيد المخزن مجموع أجهزة الدولة؟ أم الذين يسوسون و يديرون هذه الأجهزة ؟ ام العقليات اللامرئية المتحكمة في الدولة و المجتمع بما يتواءم و مآربها؟ ام ان
المخزن هو ذلك الأسلوب و الآليات التي تصرف عبرها السلطة من قمة الهرم الى قاعدته؟ ام انه ترسخات في الذهنية و النفسية الشعبيتين لارتعها بها مما قد توقعته عليها السلطة من عقاب؟ ثم ألا تخدم هذه الترسخات/ التمثلات السلطة عينها، إذ تهدىء من حدة الخوف المستبطن داخل دوالبيها حيال التمردات الشعبية؟...
تساؤلات كثر، أثيرت و تثار حول حقيقة المخزن كمفهوم و كنظام، و بالرغم من تعدد المقاربات و المقاربين لمحتوى المخزن، إلا أن المفهوم ظل- لدى الكثير-عائما و فضفاضا. و لم يتفق الباحثون إلا على أصله اللغوي أي خزن-يخزن، جمع الضرائب، فالمخزن بداية يشير الى المكان الذي كانت تجمع فيه الضرائب الشرعية و الموجهة الى بيت مال المسلمين. و بعيدا عن دائرة اللغة تتبدى التغايرات و الاختلافات على صعيد زمن و لادة المخزن حقيقته و طبيعة وظائفه، ثم كيفيات انتقاله من المعنى اللغوي الدال على تيمة المكان بتخزين الضرائب إلى مجموع اجهزة الحكم، (في نهاية القرن التاسع عشر أصبح يعني السلطان و حكومته و ادارته).1
و محصلة تناسل المقاربات و تباينها حول المخزن، نسج نظريات عدة، منها ما يتوافق، وما يتكامل، و منها ما يتعارض كلية. فالفرنسي كوتيه في كتابه "ماضي إفريقيا الشمالية، القرون المظلمة"، معية هنري طيراس، قالا بنظرية "المخزن-القبيلة"2، وقد استقياها من طرح المؤرخ ابن خلدون الذي و صل السلطة السياسية و ممارستها بالمجتمع القبلي. و مفاد هذه النظرية ان المقابلة او التناقض المستمربين سكان البوادي الرحل و المستقرين هو المؤدي الى قيام السلطة السياسية، و بالتالي الى خلق المخزن، و ما دامت هذه السلطة قبلية في قيامها و ترسيخها، فإن المخزن يكون حتما قبليا في بنياته. فالمخزن – في هذا الطرح – هو مخزن القبيلة او الاتحاد القبلي المهيمن في حقبة تاريخية معينة.
و الى جانب هذه النظرية، نجد ما يمكن أن نطلق عليه اسم المخزن الفيودالي، و تستنتج من كتابات روبير مونتاني في كتابه "البربر و المخزن"3، فرغم إقراره بوجود فوارق كبيرة بين النظام الاجتماعي السياسي المغربي، و النظام الفيودالي، فإن مونتاني قال بتواجد شبه كبير بين النظامين. و يخلص مونتاني في أطروحته الى ان العداوة بين القبيلة و المخزن، عداوة بنيوية، نظرا لتعارض طموحاتهما، فالأولى تحلم باستمرار استقلالها الأزلي، و الثاني يحلم دوما بإنشاء امبراطوريته تحت سلطة السلطان/ ومن هنا يطرح مونتاني، تقابليات بلاد السيبة/ بلاد المخزن، القبيلة/المخزن، ديمقراطية العرف/استبداد الشرع، و تندرج هذه التعارضات- عند مونتاني – في مجالات التعارض بين الدولة و المجتمع.
أما الأمريكي "كليفورد كيرتز"4 فقد هاله عدد الزوايا، تشعبها و اهميتها في المغرب، فأطلق استخلاصه مقابلا بين المخزن-الزاويا إذ يقول إن المخزن المرابطي او الموحدي انطلاقا من رباطات دينية أو زوايا تطلعت للسلطة السياسية فانشات بذلك بنيات إدارية و اجتماعية كونت مخزنا، كالزاوية الدلائية في ق.17 التي كانت تتوفر على مخزن بسلطانه، بإدارته، بإقليمه و باعيانه، بولاته و بجيشه.
و يشير عبد الله العروي في مجمل تاريخه الى ارتباط ظهور أجهزة المخزن ببذور فكرة الدولة ذات المفهوم العصري. إذ كانت تطلق الكلمة في مجموع أرض المغرب على هيئة إدارية و تراثية اجتماعية و على سلوك و مراسيم، أي ان المخزن كان سيفا و قلما،نما و تطور في كل دولة و إمارة تعاقبت في المغرب، حتى في الدولة الزيانية التي كانت أقل اتساعا و غنى5.
و المخزن كمصطلح شائع في مغرب القرن 19 له عدة دلالات، تتخد عند العروي شكلين، الأول ضيق و الثاني واسع، فالضيق إحالة الى البيروقراطية و الجيش، و كل من يتقاضى أجرا من الخزينة السلطانية، وليس من الاحباس كأعضاء الإدارة الحضرية، و الهيئة المكلفة بالحفاظ على الأمن في المدن والى حد ما في القرى، أما المدلول الواسع، فينكب على مجموع الجماعات المشكلة لأعضاء المخزن الضيق: الخاصة- الجيش – الشرفاء – الصلحاء -6 و العروي، بهذا التعريف، يؤكد على الطابع الأساسي للمخزن انه مؤسلم و عربي و معرب، و يستند الى القوى المحلية لمقاومة البلاد التي تقاومه، داحضا بذلك مقولة ان المخزن قبيلة في الحكم او انه إقطاعية او نموذجا للاستبداد الشرقي، ففي نظره ( من الخطأ تعميم بعض عناصر هذا النظام أو ذلك، لأنه إهمال للخصوصيات المغربية).7 و المدافعين على طرح الخصوصيات ووحدة السلطة المخزنية، وانسجام المجتمع المغربي ما قبل الاستعماري، يؤكدون أن المخزن لا يلجأ للعنف إلا بعد استنفاذ التفاوض، وبذلك لا تكمن وظيفته الأساسية، من منظور جيرمان عياش، في سحق القبائل وتمكينها من نظام شمولي، مفندا طرح زرع المخزن للشقاق كي يسود، مستدلا على ذلك باستدعائه لأمثلة تاريخية ملموسة عن نزاعات قبلية تدخل فيها السلطان، وقاوم فيها بدور تحكيمي قبلته القبائل المتناحرة نظرا للدور الديني والزمني للعاهل. 7مكرر1. فالمخزن ( خرج من أحشاء المجتمع المغربي في لحظة من تاريخه، أصبح يحظى بمشروعية مسجلة عبر التاريخ، وراسخة في مخيلة الجماهير، التي تعترف له بقدرته على تجسيد وحدة الجماعة الوطنية، وعلى استعمال بعض الرموز الدينية). 7 مكرر2.
و بناء عليه يبرز مصطلح"المخزن الشريفي"8 الذي يتجاوز الدعوة و العصبية التي تطبع المخزن-القبيلة، و الذي لا يرتبط بهيكلة او نظام فيودالي، بل يستند ألى انتاج سياسة دينية، و الى اعتماد الجهاد الدفاعي الذي من شانه جمع كل القبائل المغربية، عوض الجهاد الهجومي، ثم خلق شروط الدولة- القومية بدل السلطة السياسية القبلية، حيث يلتجيء الى سلطة الإشراف التي تبحث باستمرار على تركيع كل القبائل، و استئصال نزعتها في الاستقلال الذاتي، قصد بناء دولة ممركزة و قوية، قادها و يقودها المخزن الشريف الى اليوم.
إحكام القبضة هذا أفرزه التاريخ الطويل الذي سمح للمخزن بان يراكم طريقة و معرفة معينتين حول المجال الاجتماعي الأمر الذي مكنه و يمكنه من إحراز فعالية كبيرة في الحياة السياسية، فممارسة المخزن لسلطات واسعة منذ قرون تجعل منه من دون شك ندا للدولة إلا أنها لا تسعفنا في سير ما تختزنه عقليات القائمين عليه بشكل جلي9 يقول محمد الطوزي الذي يرى في المخزن( مفهوما دنيويا من دون شحنة دينية و مفتقدا لأية صفة أخلاقية سامية. فالمخزن موضع الإسقاطات السلبية و الايجابية على السواء، همه الوحيد هو الحفاظ على الأمن و الاستقرار و جعل مصلحة الدولة قيمة فوق كل اعتبار، و هي مهمات تستوجب استعمال القوة بشكل مستمر، و ترك الأخلاق و العواطف جنبا، كما يمتلك المخزن قدرة كبيرة على الاختراق و الانتشار على جميع التراب الوطني، و في جميع الأماكن التي تمارس فيها السلطة سواء كانت ادارية او عسكرية او مالية...).10
هذه الممارسات، دفعت ب ميشو بيلير إلى استنتاج أن المخزن يتأسس على الاستبداد و اللاشرعية مؤكدا د
ان المخزن (يرعى الفوضى الاجتماعية، و يستغلها لصالحه كما يقوم بتأجيج العداءات و الحروب و النزاعات بين القبائل ليعزز و وظيفةا لحكم بينها).11
فالمخزن يعد السلطة مضمرة في المجتمع، تتموقع فوقه كي تتحكم فيه بقوة و تسلط، و تمنحها قدرتها على التواجد فوق المجتمع قوة خاصة، انها تعرف كل فرد من حيث مكانته في الجماعة، ومكانة الجماعة في القبيلة بل بإمكانها استدعاء أي شخص قصد تكريمه أو إذلاله، إنها تقيس بمعرفة و وثيقة علاقات القوة المحلية و طبيعة الموارد التي تعود على كل فرد، فالمخزن يستقي قوته من معرفة عميقة بالأفراد و التمردات و الاضطهادات و المساومات و التحالفات.12
و هو الاتجاه عن الذي شدد عليه جون واتربولي في أطروحته أمير المؤمنين، القائلة بالعنف الدائم للمخزن، وبعد تغيره على مر الأسر، و بتشكيلة تحالفا للمصالح دون مذهب واضح، هدفه استمرار منطق التحالف. فالمخزن في نظر واتروي، ليس سوى تحالف مصلحي، ولا يعكس أي تيار فكري بناء، أو اداراة جماعية إيجابية، و يتخلص همه في البقاء لخدمة مصالح الأفراد و الجماعات التي يشكل منها13،مرتكزا في تحليله إلى تعريف هنري طيراس القائل بان المخزن لم يشكل سوى اختلاف المصالح، فهو لم يكن يمثل فكرا بناء او إدارة ايجابية موحدة، بل كان هدفه الأسمى هو البقاء لفائدة الجماعات و الأشخاص الذين يكونونه.14 فما يطبع سلوك أعضائه هو التصارع، و التحالف من اجل المصالح، نظرا لعدم اليقين الذي يطبع الغد.
و تقعيدا لما سلف، يمكن أن يخلص إلى أن المخزن كنظام يمنح جذوره من الموروث التقليدي للمجتمع المغربي، و في السياسة الكولونيالية، التي دعمته،و في الحيوية التي أمدت بها الملكية المطلقة و دستورها الممنوح في المغرب المستقل، و هذا ما جعله يتمتع بالقدرة على الاستمرارية و السيطرة، و استغلال النزاعات و إذكاء روح الفرقة، و إقناع الفصائل بان في موالاته نصيب من الكعكة، و لا يعنيه تفاهم الفصائل فيها بينها، بل انه يلعب في الكواليس على تلك الخيوط الرفيعة، و الأوتار الحساسة، و المهترئة، باعتماده منطق رعاية الفوضى و مأسستها، و سريان ذهنيتة المؤمنة بالسطوة و الكوسلة و الرشوة و الزبونية و القرابة و الهبة و الخدمة و التزلف، واستناده الى العمامة الدينية و البركة و الشرف... بهذه الآليات يخلق شبكات هي بمثابة عيون المخزن و آذانه في كل مكان و كل لحظة، أكسبته القدرة على الاستشراف، و بذلك يسبق الفكرة، أو يختصر الطريق إلى الفكرة التي يمكن ان تشكل حقلا مضادا أو ندا منافسا، ينسفها او يحتويها، مفرغا إياها من محتواها ليدرأ عن نفسه خطر الجهة المنافسة او المضادة إما بالإغراء أو بإغداق العطايا أو باللجوء الى الوسائل القسرية حين يلزم الأمر –حسبه – او يخلق حقلا مضادا لمن يريد التضاد معه، وبذلك يصبح الحقل المضاد ذا وظيفة صورية يخدم في حقيقتها النظام، نواته و أجهزته، و يحافظ عليه اكثر من الموالين. فالذهنية المخزنية لا تقبل نفسها إلا محتكرة لكل المجالات بدء من الديني، صاحبة كل المبادرات، و لا تقبلك إلا مواليا قابلا لشروط اللعبة، و إلا تبقيك خارج النسق محاصرا، مقصيا ومهمشا، هذا اذا لم تتم تصفيتك معنويا او ماديا كفاعل، وإن كنت من عامة الناس، فالسياسة المخزنية تبقيك في غياهب الجهل متمسكا على الهامش، مقادا، و لعل هذا السلوك ما يفسر رسوخ الارتعاب من المخزن في ذهنية و نفسية الجماهير، و بذلك تتغذى استمرارية المخزن من هذا الشعور اللطيف بأفراد مجتمع ممخزن.15


ثانيا: المخزن زمن الإيالة الشريفة: بنياته وخطاطاته


يجمع معضم علماء السياسة و السوسيولوجيا الذين اشتغلوا على تيمة المجتمعات الثالثية ما قبل استعمارها، على تقاطع ملامح جميع هذه المجتمعات في المرحلة المذكورة، ( اذ تتمتع بجهاز ثقافي محكم بخرافات تشكل قاعدة للبحث في العناصر الرئيسية للثقافات السياسية في هذه المجتمعات وهذه الخرافات بالرغم من الاختلافات الاسمية، التي القت ضوءا ساطعا على مركزية الناس في النظام الاجتماعي، وكشفت عن رؤية الحياة السياسية ذرائعية في جوهرها، كما أنها رسمت بدقة قواعد التمايز الاجتماعي، و تقسيم العمل، و الوصول الى الموارد القيمة عبر سلسلة من الوسائط.16)
و الممارسة السياسية في المجتمع المغربي ما قبل الاستعمار، لا تشذ قواعدها عن الثقافة السياسية الموصوفة أعلاه، فالزعامات الدينية، و شخصيات السلطة السياسية و الرؤساء و عمداء العائلات و الامغارات و الارتباط البينوي بالزعماء عبر منطق الإذعان و الاحتواء، او بتوظيف مفاهيم القرابة و الزبونية... وكل هذه البنيات العلائقية شكلت طبيعة النسق السياسي المغربي قبل الاستعمار، و الذي تلعب فيه دار الملك نقطة الارتكاز التي تتحلق حولها باقي مكونات النسق ( الجيش – الخاصة – الأعيان – الشرفاء- العلماء – ممثلو الأهالي)، المتصلة بالمركز عبر ثلاث و سائل إجرائية تتمثل في التقرب و الخدمة و الهبة.
و في ظل هذا النظام يتم توظيف القواد العسكريين من سلالات الأعيان التي تسيطر على البوادي، او من العبيد (المعتقين و غيرهم)، اما مهام الحكم الكبرى، فتوكل إلى الأسر الحضرية التي تميزت في العلم أو التجارة أو خدمة الدولة، أو تلك المتمتعة بالنسب الشريف كالأسرة الحاكمة.17

أ- المرتكزات الدينية و الزمنية للسياسة المخزنية

أ-1 - المرتكزات الزمنية-الدينية
كتب ليفي شتراوس مقدما اعمال مارسيل موس بانه من طبيعة المجتمع أن يعبر عن عاداته رمزيا.18 و حقل الخيال الرمزي بالمجتمع المغربي سخي ووفير، فهو حقل يكون الاسلام احد عناصره الأساسية، يولد و ينتج الرمزية و يروجه كما تروج السلعة. من هنا يكون الاسراع نحو امتلاك الرموز الهامة من احدى الشروط للوصول الى السلطة. و في هذا الاطار لن يكون غريبا أن يصبح تراكم الرأسمال الرمزي، المكون أساسا من الشرف و البركة احد الوسائل الاكثر نجاعة للوصول الى السلطة.


الدين


لقد عمدت المؤسسة الملكية منذ زمن السلطة الى تكريس قد سيتها و إحكام قبضتها على المجال السياسي، وذلك بالارتكان الى وسيلتين نافذتين و فعالتين، تتمثل الاولى في استعمال الرموز الدينية من قبل الملكية، و احتكار هذا الاستعمال لتبرير سلطتها المطلقة الثيوقراطية، اما الالية الثانية فتتخلص في قدرة اجهزة المخزن على ترجمة المفاهيم السياسية الى ممارسات حقيقية، ومن شان الوسيلتين إفراغ العديد من المفاهيم التي يتم انتاجها خارج دائرة النظام من محتواها الصحيح، و تحميلها معاني جديدة تتطابق مع المرجعية المصطلحية الخاصة التي ينتجها البلاط.19 فالسيادة العليا الرمزية تحتاج لكي تترسخ الى عامل الوقت و التكرار و الشعائرو الطقوس، و عملية طويلة من استنباط الصيغ الأدبية و الفنية على أساس أنها معايير متعالية لا بشرية، تم استنباطها من قبل اعضاء الجماعة التي تنتج التراث، و ينتجها التراث بدوره.20
و تدل إعادة الانتاج هذه في نظر جورج بلانديه على ان خلع الشرعية على الأشياء بواسطة التقديس و العامل الديني و كذلك خلعها على الذات بواسطة النصوص الأساسية للإيمان و احتكارهذه النصوص، يعد سلاحا فعالا لإحكام القبض على الحكم و المحكومين. و بالرغم من هذا الحق الالهي، و الافكار و التصورات الواصفة للسلطان الحليفة بانه ظل الله الذي يستظل به على الأرض، والمؤكد ضمن نصوص البيعة التي تلزم بالولاء و بالطاعة ( فالنظام لا يعتمد في تأكيد شرعيته في الحكم على السند الديني لوحده. إن المخزن يعي حق الوعي ان الامامة الدينية و حدها لا تضمن له البقاء و الاستمرار، بل تلزمه بإحاطة نفسه بمؤسسات سياسية و اقتصادية و اجتماعية قوية، إن الخلافة كمبدأ لا تصبح ذات معنى إلا إذا تحولت الى خلافة قوية، أي الى ملكية مخزنية)22.

البيعة

يشرح ابن زيدان البيعة بردها الى فعلها ( فهي مصدر بايع فلان الخليفة، يبايعه، أي المعاقدة و المعاهدة، و هي مشبهة بالبيع الحقيقي، قال ابن الاثير كأن كل واحد منها باع ما عنده من صاحبه، و أعطاه صفقة يده).23 فالبيعة وفق شرح ابن زيدان – عقد يتضمن إلتزام طاعة السلطان الجديد، يمضيه من بيدهم الحل و العقد و لهم كلمة مسموعة في الأمة، من وزراء و عمال و قضاة و امناء و شرفاء و علماء و عدول و قواد الاجناد.24
و تمثل مرحلة توقيع أهل الحل و العقد على عقد البيعة، المرحلة الأولى، اما الثانية فتتجلى في قيام النخبة الحضرية الاخرى، و الملاحظ ان مراكز التقرير فيما يخص البيعة تتكون بالدرجة الأولى من المدن المخزنية ( مراكش، فاس، مكناس)، مما يجعل بيعة القبائل تأتي متأخرة شيء ما عن بيعة السلطان، يورد أكنسوس رايا آخر يركن فيه إلى مقالة الإمام الماوردي ( يكفي في بيعة الإمام أن تقع من أهل الحل و العقد، و لا يجب الاستيعاب و لا يلزم كل احد ان يحضر عنده، ويضع يده، بل تكفي طاعته للانقياد له، وأن لا تشق العصا عليه...)26.
و حتى لا تشق عصا الطاعة، تسعى السلطة المركزية الى ضم السلطة المحلية عبر تعزيز صلات المخزن بالقادة المحليين، كتلك العلاقة التي ربطت المخزن بالقائد ابن الغازي الزموري الذي مثل بيعة زمور عهد السلطان عبد الرحمان. كما بحث المخزن الفقهاء على مباركة الامام، و باقي الزعمات المحلية على الاعتراف به، والذي لا يعترف به يكفر و يعد غير مسلم. 27 فالمخزن يعتبر أكثر المنتفعين بتمام البيعة في أحسن حال الأحوال، و إنحاء الكل للسلطان، يمنح مجالا اوسع لممارسة سلطاته و للتخلص من المواجهات الدائمة مع القبائل السائبة.

السند الشريف

إن نظرية البيعة كما تقدمها النخب المثقفة لا تشكل إدراك الجماهير القروية و الحضرية فيما يخص الشرعية. و بالمقابل فالنسب الشريف يفرض نفسه على عقول الجميع، 28 وذلك راجع الى ما ترسخ في الذهنية الجماهرية منذ عصر الشيخ محمد السعدي، إلى جميع ملوك الأسرة العلوية، و يدل هذا الأمر على خطوة كبيرة قطعها المغاربة في توحيد أمتهم لأنهم أصبحوا يشعرون شعورا أكثر وضوحا بانتمائهم الى وحدة تتجاوز القبيلة...).29 يكتب جيرمان عياش الذي يرى في مسألة الحكم على أساس الانتماء لآل البيت النبوي ( انتماء إلى الإسلام الذي تشترك فيه جميع القبائل، هو أوسع الأسس لإقامة الدولة القوية التي لابد منها لمعركة دون رحمة كما هو شان الحرب ضد البرتغاليين).30
فهذا الاعتماد على النسب الشريف بما يحمله من مضمون بيولوجي( الانحدار من السلالة النبوية)، و ميتولوجي ( الإيمان ببركة الشريف، و سياسي إسلامي ( خلافة الجد كأول زعيم سياسي للأمة الإسلامية) يعد الذروة في الشرعية الدينية للحكم المغربي و اولويتها في تطوره التاريخي الذي استمر الى بداية هذا القرن قائما على سلطة مزجت بين البيعة و الشورى و الحكم الشرعي في النمودج الاسلامي المثالي، و السياسة الشرعية و السلطة الزمنية و الروحية المطلقة ووراثة الحكم في النمط التاريخي المشرقي.31 لذلك اكسب التلويح بورقة الشرف و التباهي بالانتماء مباشرة الى بيت الرسول، السلطة السياسية خاصية متميزة مشحونة بالمعاني تصبح بموجبها علاقات الخضوع و الوفاء ذات مغزى.32 و ينبغي ان نسجل ( إن فعالية أللدينية السلالية و فعالية البيعة لا تؤثران بشكل آلي في ميدان الممارسة، أنهما مكتسبان وليستا قاعدتين، أن الانتماء إلى السلالة النبوية لا يثير أكثر من إحساس معين بالانجذاب نحو ذويه، أما البيعة، فبالإمكان سحبها تبعا للشريعة الإسلامية بسبب عدم الكفاءة).33

الزاوية / المخزن


لم تكن يوما هذه العلاقة صلبة ثابتة على عقيدة التعاون بل ان روابطها متبدلة متغيرة حسب قوة الحكم المركزي، و أحوال البلاد. ففي دراسته حول الزوايا و أدوارها المتعدد ة الاوجه بين الديني و السياسي و الاديولوجي و الاقتصادي خلص ميشو بيلير الى انه في حالة وجود سلطة قوية، ينحصر دور الزوايا في أداء وظيفتها الدينية ، وفي ظل حكم مترهل تقفز الى المشهد السياسي، وعليه فتاريخ المغرب عند بيلير يجسد في تناوب روابط التعاون أو التنافس بين المخزن و الزوايا.34
و يتضح ان التعاون مع رجال الله وزواياهم ضروري بالنظر إلى الاندماج الثقافي القوي الذي تحققه من أهبهم و حساسياتهم، اضافة الى الممارسة الةلائية التي تنشرها حركتهم في كل المجتمع. 35 فالصلحاء مثلوا حسب D.Eicklemen ، P.Rabinow ، C.Geertz – شكلا من أشكال الهيمنة الاجتماعية و السلطة السياسية، إذ عدوا ( اكبر قوة سياسية بالمغرب، فالشعب يجلهم أكثر مما يجعل السلطان، رغم الصفة الدينية لهذا الأخير) يكتب أكوستان برنار.
لهذا عمد السلاطين السعديون، منذ بداية حكمهم الى تطويق الزوايا و الحد من خطرها على المنافسة السياسية، وذلك بالتصدي الى سلطتها الاقتصادية. فقد كتب الناصري في الاستقصا-38 مؤكدا ان ضريبة النايبة فرضها السعديون على الجميع بما في ذلك الشرفاء و شيوخ الزوايا، و قد ذهب السلطان محمد الشيخ المهدي الى حد انه صادر كل الودائع التي كانت بحوزة الزوايا منذ العهد المريني.
أما الحكم المخزني العلوي، فكثيرا ما كانت تهدده او تنافسه الزوايا في الساحة السياسية، يقول ميشو بيلير فالسلطان إسماعيل، لم يتردد بان يقود شخصيا حركات عديدة ضد الحنصاليين و المهاوشين لما كانوا يمثلونه من قوة سياسية موازية.39 اما السلطان عبد الرحمان فقد تقرب من كبريات الزوايا،40 لمحاربة التواجد المسيحي شرق البلاد، إلا انه من جهة أخرى- لن يبتعد عن سياسة أسلافه الرامية الى تقويم دور الزاوية و قوتها، في حين سينحو الحسن الأول منحى السلطان إسماعيل، إذ سيسعى الى اخضاع الزوايا لسلطته، و توظيفهم لخدمة رؤى السياسة المخزنية و في ذات الآن إضعاف شيوخ الزوايا الذين ينكرون سلطته.
الأمر الذي دفع كليفورد كيرتز إلى القول (لازمت تاريخ المغرب العلاقة الرهيفة بين سياسة الرجل المنفذ وورع الرجل الصالح، إنها الجهد المتتابع بدون تراجع لأجل إتمام صهر القوة الحربية و فضيلة الولي بدون الوصول لحالة الفرقة).41 و بالرغم من كثرة الازمات التي انطبعت بها علاقة المركز بالزاوية،42 فإن (معظم الزوايا كانت مخزنية... وقد قبلت الخدمة من البداية كتنظيم مخزني، وبالتالي فالزاوية لم تكن قوة سياسية بقدر ما كانت آلية للإدارة المخزنية، و أضحت فيما بعد وسيلة للسياسة الفرنسية بنفس الشروط و الأسباب ذاتها).43 و بناء عليه ليس غريبا ان يبدو المخزن بطريقة معينة كزاوية، والشيء نفسه أن تبدو الزاوية كمخزن مصغر، تمثل المخزن بشكل مصغر على الصعيد المحلي، 44 و تعيينه في الحملات التأديبية أو "لحركات" ضد القبائل السائبة.

أ-2- القوائم المادية الدنوية للمخزن: القوة – المال
الجيش أو القوة المادية
كتب الزياني في واسطة السلوك في سياسة الملوك واصفا الجيش، بانه ( أبهة الخلافة و حصن منيع من المخافة... ومن فرط في جيشه سقط عن عرشه)45، لذا شكل الجيش نواة قوية و لا مندوحة عنها في النظام المخزني. ف ( تكوين مؤسسة مركزية مستبدة يفرض حضور بنية إدارية و سياسية عسكرية ذات جدوى في التدبير اليومي و جمع الضرائب)46، ذلك ان وظيفة الجيش المخزني تحدد في الدفاع عن النظام و حمايته من وسط اجتماعي معاد، و كذا القيام بالجهاد ضد أعداء الإسلام، و خارج فترات الجهاد يقوم الجيش بدور الشرطة.
تتفق اغلب المصادر التاريخية ان النواة الأولى لنشأة الجيش المغربي الإسلامي، قد انبلجت في شكل التفاف قبلي (زناتة، زواغة، سدراتة، مغراوة...) حول إدريس الأكبر حينما حل بمدينة و ليلي بعد و قعة الفتح، الا ان هذه النواة لن تستكمل هيكلتها شبه النظامية التي تستوجبها القيادة الموحدة إلا في عهد يوسف بن تاشفين، المرابطي الذي ادمج في جيشه الأغزاز و الرماة، في حين ارتهن تكوينه بتواجد المرتزقة و القراصنة بين صفوفه، و سيستمر هذا التحالف مع العناصر المستقطبة من منطلق التبادل المصلحي، حتى بداية التغلغل الاجنبي في السواحل المغربية عند آواخر العهد المريني، لكي يتخذ العمل العسكري صبغة جهادية في عصر السعديين الذين كونوا كيش الأوداية المشتمل على قبائل اهل سوس و المغافرة و الأوداية، وقد وهبت هذه القبائل حق الانتفاع بأراض فلاحية و إعفائها من الضرائب ما خلا الزكاة و الأعشار.47
و تعتبر السياسة العسكرية السعدية باكورة تأسيس الجيش على فكرة الوحدة الوطنية و ان كان سيأخد زمنا طويلا، وذلك لما ستؤول له الأوضاع بعد وفاة المنصور عام 1603م، و بعدها سيدول الأمر للأسرة العلوية في القرن 17 حيث ستشهد البلاد، يقول هنري تيراس (أزمة حادة خلخلت أعماق كيانه... لكي يتمخض عنها اخيرا ما يمكن نعته بالمغرب المعاصر)،48 كان فيها للجهاز العسكري الدور الحاسم.
فلقد عددت السياسة العسكرية في مغرب ما قبل الاستعماري، من القوائم الاساسية للسياسة المخزنية سواء في حماية السلطان و عرشه و مؤسسات سلطته، او في الجهاد و الحملات التأديبية، و حتى على مستوى جبي الضرائب و جمعها.

ب- آلية الاستغلال الجبائي
ريش الطير قبل مايطير، فهو يشبه الجابي إذا تركناه يثرى يتمرد، بهذه الصياغة لخص الفضول غرنيط سياسة المخزن الجبائية، لقد كان من حق السلطان ان يجبي عددا من الضرائب، الا انه نادرا ماكان هذا الحق يقبل من طرف السكان دون معارضة بل غالبا ما كانت القبائل و الزوايا و الشرفاء تتحالف لرفض ضرائب السلطان او لمساندة مطالب بالعرش ينافس السلطان اكثر مما يعبأ لمواجهة الخطر الاجنبي، و أصبح العنف المستمر نظاما دائما: تصرف الضرائب لتمويل الجيش و استخدامه لسحق القبائل بهدف جباية المزيد من الضرائب.49
من هذه الزاوية نظر ميشو بيلير، للاستغلال الجبائي المخزني، كبنية مادية لإعادة إنتاج ذاته و كممارسة / مقياس تقاس بها طبيعة و نوعية العلاقات الرابطة بين المخزن و القبائل.50 وكذا صلات السلطان بجيشه و بيروقراطيته، ثم الروابط بين الجيش و البيروقراطية، و كل هذه العلائق تستحضر في شكلها المادي من خلال ضروب الجبايات المتوزعة بين الشرعي و غير الشرعي، 51 و التي تقع على كاهل الأكثر فقرا.
أ- الضرائب الشرعية: أقرها الشرع، و تتمثل في : عشر المحاصيل الزراعية (العشور) و زكاة الماشية و استخراج المعادن، و الجزية بالنسبة لأهل الذمة (اليهود)، و تجبي الضرائب الشرعية في صيغة عينية، إلا ان المخزن اقتطعها نقدا، و بقدر مالي قار على اغلب القبائل نظرا للازمة المالية في ق.19، الناجمة عن تادية الغرامة الحربية المفروضة من طرف اسبانيا، و القرض الإنجليزي.
ب- الضرائب غير الشرعية: تلك التي سنتها السياسة المخزنية و لا صلة للشرع في إقرارها، و هي آليات اغتصاب فائض إنتاج المزارعين و استنزاف الأهالي نذكر منها:

- الهدية: كانت هبة ظرفية و تلقائية تقدمها القبائل و المدن للسلطان، لكن ما فتئت ان صارت التزاما لضريبة الوفاء للعرش.
- المؤونة او العولة: تتعلق بالمحلة السلطانية، ويقع ثقلها على عاتق القبيلة او القبائل التي تحل بمنطقتها. وتتجسد أيضا في إطعام رجال المخزن المكلفين بمهمة في القبيلة أو منطقتها.
- الصلات و الملاقات: مبالغ مالية تقدم من طرف القواد و الباشوات... للسلطان حيث ينعم عليهم بملاقلته او في الأفراح (أعراس الأمراء) أو المآسي (التعازي).
- كلف مخزنية: الضرائب المخزنية في المراسلات الرسمية، و تشمل جبايات تقليدية حولتها الزاميتها الى عرف مقنن.
- الملازم: مواد غذائية و غيرها، يقدمها أمناء الصائر بشكل دائم لأقارب السلطان المقيمين داخل القصر السلطاني او خارجه.
- الرواتب: تشمل رواتب أفراد العائلة المالكة، و رواتب العاملين بأملاك السلطان أو بالقصر.
- السخرة: المال الذي كان القيد ملزما، نيابة عن القبيلة بإعطائه اجرا و تعويضا عن خدمة و تنقل مبعوث المخزن المركزي.
- الجريات: المبالغ التي تؤدي عن الأضرار المرتكبة في المجال الترابي للقبيلة عندما يكون بعض أفراد المخزن هم الضحايا، و تمتد أحيانا لدرجة اعتبار المزارعين مسئولين عن موت أو اختفاء دابة في ملك المخزن او احد الموظفين.
- الذعيرة: غرامة القصاص
- المكوس: فرضت زمن السلطان هشام ( 1822-1859) على التبادل التجاري الداخلي عند مداخل المدن، و أسواقها و سعرها يختلف باختلاف البضاعة و مصدرها |(مستوردة ام محلية).
إن هذه التلوينات الجبائية ساهمت في منح المخزن القدرة على إعادة إنتاج ذاته، و قوت حضوره في المجال الترابي و الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي، إذ كان يوظف آليات الاستغلال الجبائي كوسيلة سياسية لعقد تحالفاته الداخلية التي تسهر عليها بنياته التنظيمية الممركزة و غير المتمركزة:

البنية المخزنية المركزية
السلطان الخليفة: معين بمقتضى مسطرة البيعة، التي تجعل منه المصدر الأول و الأخير لكل القرارات السياسية و لكل إنتاج حقوقي، ويكون باقي أعضاء المخزن السلطاني، ابتداء من الحاجب و انتهاء بقائد القبيلة و المقدمين مجرد منفذين لتعليمات و قرارات السلطان و تتخذ سلطته أربعة أوجه في ذات الآن:
- الرئيس الاعلى لكل شرفاء المغرب لانتماء للسلالة النبوية.
- القاضي الاعلى للبلاد، و الامام الساهر على سيادة الشرع الاسلامي
- القائد الاعلى للجيش داخليا لقيادة الحملات ضد القبائل السائبة (الحركات)، و خارجيا لقيادة الجهاد.
- المتصرف الاعلى في الدولة، و منظم لكل مستويات المجتمع المدني. و يباشر السلطان سلطاته هاته بواسطة هيئتين: مصالح دار المخزن و الهيئة الحكومية الشريفة:
- الحاجب: يعد أول مسؤول في الدولة بعد السلطان سواء عند السلاطين العلويين او السعديين. يشرف على القسم الداخلي من دار المخزن أي القصر السلطاني، و كل ما يهم الحياة الخاصة للسلطان و العائلة السلطانية، هذه المكانة جعلت من صلة الوصل بين الخليفة و باقي مسؤولي الدولة. وأشهر الحجاب/ الحاجب باحماد الذي تمتع بنفوذ سياسي قوي زمن الحسن الأول.
- قائد المشور: موظف يسهر على امن دار المخزن،و بالتحديد السم الخارجي من هذا الدار، فهو المكلف بالعلاقة بين الحاجب و عموم الزائرين،
- وزراء الحكومة الشريفة او أصحاب الشكارة:
الصدر الاعضم او الوزير الاعضم : يشرف على نشاط القضاة و نظار الاحباس و نقباء الاشراف، ومراقبة رجال السلطة المحلية من باشوات و قواد، تحرير الظهائر و المراسيم المولوية و تسليم العطاءات العقارية او تنفيذ التعليمات في الوظائف المختلفة او عزل الموظفين او تسليم القرارات السلطانية الى قائد المشوار في شان الحركة و تنقلات الجيش و إعداد المؤدن فوظيفته كانت اقرب لوظيفة وزير الداخلية الحالي منها الى و ظيفة الوزير الاول. و قد كان مكتبه يعرف ب البنيقة الكبرى.
وزير البحر: ظهر هذا المنصب عهد الحسن الاول، و انحصرت و ظيفته في جمع و فحص شكاوي الجاليات و الوفود الاجنبية، وكذا الاهتمام بقضايا المحميين القنصليين، و تحضير مشارع الاتفاقيات و المعاهدات مع الدول الاجنبية.
وزير الشيكايات: صاحب المظالم يتكلف بتلقي شكاوي الرعايا و القبائل ثم رفعها للسلطان قصد الفصل فيها.
العلاف الكبير: لم يكن وزيرا للحرب بل المكلف الأول بتموين الجيش و السرايا و الحركات، و تجهيزه بالسلاح و العتاد، و منحه الأجور، كما كان يشرف على المصاريف الشهرية لمخازنية البلاد الداخليين.
أمين الأمناء: و وظيفته تشبه و ظيفة وزير المالية الحالي


ب‌- البنيات المحلية او البنية غير المتمركزة:
لم يكن النظام المحلي قبا الاحتلال نظاما موحدا، فسلطة المخزن لم تكن تسري الا في بلاد المخزن، حيث القبائل خاضعة خضوعا تاما، اما القبائل السائبة فلم تقرر الا بالسلطة الروحية للسلطان.
خليفة السلطان: يختار عادة من ابناء السلطان او اخوانه او أقاربه، و يعين على رأس الأقاليم الأساسية ( الاقليم الشرقي – اقليم الشمال- اقليم الغرب- إقليم الحوز). و يعد ممثلا رئيسيا للسلطان رمزيا و سياسيا و إداريا و عسكريا.
الباشا: يعين من قبل السلطان على رأس مدينة للحفاض على أمنها و ذلك بالاستعانة ب المقدمين.
القائد: يعين على راس القبيلة التي ينتمي إلى أحدى عائلاتها العريقة ذات النفوذ السياسي فيه، و كثيرا ما كان القائد يشتري و ظيفته من السلطان، ثم يعود لمحكوميه ليشرد ثمنها عبر تحصيل ضريبة الايبة، وهو أسلوب كله جور و طغيان. و يستعين في أداء مهامه بالشيوخ و المخازنية.
المحتسب: هو الأمر بالمعروف و الناهي عن المنكر بتفويض من السلطان في أسواق المدن، يسهر على وضع و مراقبة أثمان البضائع وجودتها و الموازين و حماية المستهلك. كما يراقب النقابات المهنية و يوفق النزاعات بين أصحاب الحرف.
اما بلاد السيبة، فالحكم ذاتي، يتم بواسطة الجماعة التي تضم اعيان القبيلة على شكل جمعية تقرر في جميع الميادين، وتعين عضوا منفذا لقراراتها يدعى امغار. و تبدي استقلالية القبائل السائبة في رفضها تأدية الضرائب للخزينة السلطانية، و في مقابل هذا الرفض تعترف للسلطان بسلطته الدينية- الروحية، وتقبل به ك حكم لحل نزاعاتها.

ثالثا: المخزن بين التحكيم و الحركة:

أ- و ظيفة التحكيم و الموازنة: إن ما كان يفقده السلطان في علاقته بقبائل السيبة من ضرائب يجنيه في شكل قيم رمزية تقوي من شرعيته السياسية، و تجعل منه رمز وحد الامة فكونه شريفا يتعالى على القبائل و صراعاتها، يدفع قبائل السيبة الى اللجوء اليه طالبة تحكيمه في نزاعاتها، ان سلطة السلطان( كانت تزداد كلما نجح في المصالحة و التحكيم).52 وقد مورس التحكيم أيضا من قبل الشرفاء و الصلحاء، لكن السلطان جسد دور الحكم الأعلى. وقد مارست الأسرة العلوية التحكيم بصيغة محلية كعائلة "شريفة" بتافيلالت، و بعد اعتلاء سدة الحكم مارس سلاطين الأسرة هذه الوظيفة في إطار أوسع يتمثل في المشهد السياسي ككل. و لن ينقطع حبل هذه الممارسة في المغرب المستقل، إذ ستظل صورة الملك الحكم حاضرة بقوة، وهي (صورة تأتي لتعيد نظرية العلاقة المباشرة بينه و بين الشعب، فالتحكيم يجعله يسمو على المصالح الخاصة و يترفع على الخصومات الحزبية).53

ب‌- المحلة و الحركة: العنف الرمزي و الجسدي
تمثل المحلات السلطانية و الحركات رمزا من رموز عظمة السلطة و أبهتها، تلك الابهة التي تبث ذعرا رمزيا لا يقل في حدته عن العنف الجسدي، كما تشكل هذان الآليتان، أداة لفرض السلطة و بسطها على المجال. و تنقل المخزن في المجال بواسطة المحلة يكشف عن جانبها من جوانب طبيعة علاقة السلطة المركزية بمجالها السياسي في المجتمع المغربي في ق.19، فضعف الشبكات البيروقراطية و عدم قدرتها على توحيد أطراف المجتمع، دفع المخزن الى اعتماد شبكات اخرى تنفد عبرها السلطة كالشبكة الدينية او الاجتماعية، بإحلال السلطة و تجسيدها في عين المكان عبر المحلة و الحركة كونهما رمزا السلطة و اداة لبسط نفوذها ماديا.
فالحكومة المغربية ليست لها مقر خاص بها لكي تخضع الشعب، و لكي يضمت مردودية الضرائب يكون السلطان مضطرا ليسافر باستمرار حتى يخضع السكان لا عن طريق السلاح فقط، وانما عن طريق التأثير الديني و الشخصي.54 فالتحرك من خلال الركة و المحلة يرمز السلطة و يمنحها فرصة التفاخربرأسمالها الرمزي، المجسم بحضور السلطان المالك للثروة المكونة من الشرف و البركة، فالحركة تعد رمز السلطة المخزنية، بالرغم من انها غير دائمة، فهي تستطيع ان تكون قيمة استعراضية.55
و المخزن بحاجة الى مثل هذه القيمة الاستعراضية لوجود منافسين له في احتكار الراسمال الرمزي و في بسط السيطرة على المجال.
و المحلة كما وصفها الناصري و ابن زيدان، عبارة عن مسيرة لمدينة متنقلة، بإرادتها و جندها و أسواقها. و تتكون من الافراغ او خيمة السلطان التي تمثل قلب المدينة الرامز للعظمة السلطانية، ثم ( المشور – الصيوان – البنيقات – الروى (الاسطبل)- المخزن – المدافع – الطبيحة – الكيش – العلاف – العسكر – السوق – النواب)56. وقد شبه روبير مونتاني خيام المحلات قائلا: (إن مخيم المحلة يشبه مدن الخيام التي كان يقطنها ملوكنا في العصور الوسطى ساعة خروجهم للحرب)57، اما سلاطيننا فكانوا و مازالوا – يعتنقون المبدأ التالي ( السلطان المثالي هو الذي سرجه عرش و السماء قبته). و غالبا ما كانت تتم هذه التنقلات بين شهري ماي و اكتوبر، لصحو الطقس و كون الموسم موسم حصاد، يناسب انتزاع الضرائب و الحصول على المونة.
و كلفة تموين المحلات تقع على عاتق القبائل أثناء المرور بها و الحلول فوق ترابها، يقول ابن زيدان (فإذا انتصف النهار يأتي أهل تلك القبيلة بعدد وافر من الشعير و الدقيق و السمن و رؤوس الضان و عدد وافر من الدجاج يقفون خارج المحلة حتى يستأذن عليهم قائد المشور...)58.
و الغاية من تحرك المحلات و الحركات إما تأديبية مرماها المواجهة العسكرية لإخضاع القبائل المتمردة او السائبة، وإرغامها على تأدية الضرائب، وأيضا لتحصيل الجبايات، كما قد تكون غاياتها مختلفة كمحلة الحسن الأول التي تواجه بها الى تافيلالت لزيارة قبر جد الأكبر مولاي علي الشريف، وقد تألفت هذه المحلة من 1500 فردا مجهزين و مسلحين.59 و الحقيقة أن هذه التحركات الدائمة و الدينامية المستمرة ناجمة عن عدم استقرار النظام، ( ومن أسباب تلك الدرجة من العنف التي تتحدث عنها الأخبار و تدرجها كأنها من المسلمات، وبذلك يجير الجهاز السلطاني على امتصاص او على استعمال سلطته)60.


رابعا: في العلاقة بين المخزن و القبائل: التمرد و الخضوع
تصنف القبائل في علاقتها بالمخزن الى صنفين، قبائل يدمجها خضوعها في بلاد المخزن فتنعت بالقبائل المخزنية و أخرى يخرجها تمردها من دائرة البلاد المخزنية لتوشم ببلاد السيبة او القبائل السائبة، فقد( كانت القبائل الناطقة بالبربرية تشكل الحد الفاصل بين بلاد المخزن و بلاد السيبة. و اذا كان ذلك غير ثابت فقد كان يوجد مع ذلك، و باستمرار، نواة و فيه للمخزن وأخرى سائبة وظلت قبائل الجبال في عصيان مستمر، بينما اعتمدت قبائل السهول الساحلية لخضوع المخزن).61 و في السهول الممطرة بالغرب و الشاوية و دكالة و الحوز، لم يكن في استطاعة القبائل المستقرة بهذه المناطق، معارضة المخزن، بل كانت على العكس من ذلك، تطمح في حمايته ضد القبائل المحيرة القاطنة في السهول و الجبال و تقع اهم المراكز الحضرية و العواصم الأربع داخل السهول او على جوانبها، وكانت المنطقة الواقعة بين فاس و الرباط تتعرض باستمرار لهجمات قبائل زيان و بني مطير و زعير.
فالسيبة ظاهرة خاصة بالجبال و الاراضي القاحلوة ويتعلق الامر بمناطق و عرة تقطنها قبائل متمردة، يقودها احيانا و لي ثائر' الا ان تلك القبائل لم تشكل و حدات اقتصادية مغلقة و بالتالي لم تكن قادرة على قطع مبادلاتها الحيوية مع المدن و الأسواق لمدة طويلة، لذلك كانت انتفاضاتها مؤقتة بالضرورة، فنادرا ما استهدفت عزل السلطان، بل كانت ترغب في التخلص من سلطاته المدنية أي من قواده و ضرائبه. فهي تميز بين السلطان و مخزنه، اذ تكون للاول إجلال دينيا، و تحتقر الثاني و ليس ادل على ذلك ما حدث خلال حملة عسكرية قام بها السلطان سليمان، حيث هزم اهالي آيت اومالو قوات السلطان، وقتلوا و نكلوا برفاقه الاقربين لكنهم استقبلوه بحماس و احترام.62
و بناء عليه، فالقبائل المخزنية هي تجميع او تجزيئ مصطنع لقبائل أصلية حيث يحرص المخزن على تجزيء القبائل الى أرباع و أخماس تجزيئات ذات طابع إداري و جبائي، من اجل التدقيق و ليس فقط تامينا للمداخيل الضريبية، و ايضا لقطع التضامن السابق الناتج عن السبة، ففي عهد الحسن الاول تم الدفع بهذا التجري، بعيدا، حيث انه عوض 16 وحدة سلطوية ثم خلق 3000 و حدة و تمت مضاعفة القياد و الامناء لجمع الضرائب مما ساهم في النزوع لمركزة حكم المخزن، تجمع كل واحدة عشرة مناصب نار بغض النظر عن علاقات الدم حقيقة ام مفترضة.63
و تنتمي الى القبائل المخزنية، قبائل الكيش و النائبة و تمنح الاولى اقتطاعات عقارية، و تعفى من الضرائب مقابل التزامها بالدفاع عن المخزن و تنقسم الى قسمين حسب ابن زيدان: القسم الاول يتمثل في المسخرين (كيش الاوداية)، و الثاني يتجلى في الجيش كنوع من الحاميات المقيمة بالمدن المخزنية و الثغور، بينما تشكل القبائل النائية جيشا احتياطيا لحالة الطواريء.64
اما قبائل السيبة ، فتربطها و حدات اقتصادية و اجتماعية و سياسية، فعلى المستوى الاقتصادي، تعد وحدة الى الحد الذاتي تنظيم فيه بعض القواعد المحدد لبنيات الإنتاج توزيع و استهلاك المنافع المادية، لتلبية الحاجيات الفردية، و على الصعيد الاجتماعي، هي وحدة مادامت تتميز بتنظيم اجتماعي لا يوافق سوى حاجيات المجموعات التي تؤلفها، و لا تعكس سوى التعارضات التي تحركها، ام من الناحية السياسية فتعتبر و حدة، لأنها تؤلف جوهرا منفصلا بمؤسساتها الخاصة، التي هي تعبير عن اختلاف مكوناتها، و لان علاقات دبلوماسية على غرار تلك المقامة بين البلدان أو الأمم.65
كانت هذه سياسات المخزن في المغرب ما قبل الاستعماري، و تحركاته و آلياته و صلاته بالأهالي الخاضعة و السائبة، فهل ستسعى سلطات الاحتلال إلى تغيير دهنياته و مؤسساته أم على العكس ترعاه و ستتخذه نصيرا و عونا لها للسيطرة على الأراضي المغربية؟
و هل ستبتكر آلياتها الخاصة بها ام ستعتمد الخطط و الخطاطات العلائقية المخزنية مع ما ستجلبه و إياها من مخططات عصرية؟


ثالثا: المرحلة الكولونيالية: المخزن و الاستعمار: دعم متبادل

يجب الاعتراف إذا بأنه لا نريد تدخلا عسكريا مباشرا فإن التفاهم الصادق و الجدي و طرق التعامل الجيدة مع المخزن، هما أفضل الشروط حتى نستمر في التوغل الاقتصادي فهما الوجهان الضروريان لنفس السياسة لنساعد بصبر لا ينفد السلطان على تقوية سلطته بمالية جيدة و جيش عتيد و لنؤمن في نفس الوقت عن طريق السلف نفوذا اقتصاديا قويا، يقف في و جه التردد للعودة الى نظام المخزن القديم المتعصب، هذا هو الفتح، هذا هو الغزو الحق).66
وهذا الغزو الحق ما كان ليتحقق دون تواطئ زعماء الأهالي تحت الوصاية، وتركيز السلط في أيدهم على حساب مجالس القرى و القبائل (الجماعة)، وقد استفادت من هذه الإستراتجية الاستعمارية القيادة و سلسلو الأولياء، المسندين بالسلطة المركزية من جهة و الحماية من جهة اخرى.67
و قد فطن المستعمر الفرنسي إلى منفذي النزوع التقليدي الوراثي من خلال الاتكال على ذوي النفوذ المحليين، وتقوية مركز النظام أي سلطة السلطان، ثم إعادة إنعاش المخزن. كما تصيد الفكر الاستعماري بذلك، مسألة التداخل بين الديني و الزمني في المغرب، و ركب سياسة انطلاقا من هذه المستويات المتناقضة، وبناء عليه صمم ليوطي ما عرف بالسياسة الدينية لليوطي القائمة على المحافظة على العوائد الدينية، ثم الاستفادة من الهيبة الدينية للسلطان، و توظيف العلماء، و أخيرا تحجيم دور الزوايا. و في هذا الصدد قال: (انني لم اضبط المغرب لحد الآن إلا من خلال سياستي الإسلامية، وأنا متيقن بان هذه السياسة هي السياسة الانجح، لذا فانا أطلب بإلحاح ألا يتدخل احد في سياستي).68

مأسسة هياكل المخزن

عملت فرنسا إبان احتلالها للمغرب على تثبيت جهاز إداري مركزي، و تحديث بعض القطاعات مثل: الفلاحة و الصناعة و المعادن و التجارة، غير أن المغاربة لم يشاركوا في هذه العملية إلا بشكل هامشي، وفي أحسن الحالات، ولم يستفيدوا من التجربة الملموسة ومن الاتصال المباشر بالتقنيات الإدارية و الاقتصادية الجديدة، باستثناء عدد قليل منهم. فالاستعمار سيقوم بخلق المؤسسات و تنظيمها و إصلاحها على المستويين المركزي و المحلي.
فعلى الصعيد المركزي ثم إرساء تشكيلة إدارية عامة 1912 لم يلحقها جوهريا أي تغيير يذكر في السنوات التالية ، وظلت تتفرع الى جهازين، جهز يرعى المصالح المخزنية، و آخر في خدمة مصالح الإقامة الفرنسية العامة، و ينسق فيما بين الجهازين كاتب عام . و كانت هذه الادارة تتمحور حول ثلاثة مديريات حيوية، تتمثل في: مديرية الداخلية و الشؤون السياسية- مدرية المالية- مدرية الاشغال العمومية.
كما شرعت سلطات الحماية منذ تاريخ توقيع المعاهدة، في اصلاح المخزن، وفقا لمقتضيات الفصل الاول من معاهدة فاس، و هكذا فقد اعطى الفرمان الشريفي المؤرخ في 31 أكتوبر 1921 للمخزن و جها جديدا كان يراد منه تحديثه و عصرنته.
وقد سعى الاستعمار الى الحفاظ على ثيوقراطية الحكم السلطان و استثمار هيبته ( لوقوف ضد أية محاولة ترمي الى دعوة الاخد بأسلوب المؤسسات البرلمانية الفرنسية) يكتب جون واتربوري، مضيفا ( كانت هناك مراعة كبيرة للاحتفاظ بالمظاهر الخارجية للتقاليد القديمة للنظام المخزني مثل جلوس الوزراء على الأرض في بنيقاتهم التقليدية و حتى لا يشعر القواد الكبار و الأعيان من رجال الدين بان المخزن القديم قد اختلف، و أنهم أمام جهاز جديد لا يلعب فيه المسؤولين المغاربة إلا دورا ثانويا|)، و في ذات الآن تذرعت السلطات الفرنسية بصفاء المؤسسات السلطانية التي تدعي حمايتها و صيانتها للتخفيف من مفهوم فصل السلطات.
اما على المستوى المحلي، فقد جزء المغرب الى نواح اوجهات عسكرية، و اخرى مدنية. كان الهدف من الجهات العسكرية تسهيل تغلغل الجيوش الفرنسية في البلاد، و مع مرور الوقت بدات النواحي العسكرية تتحول تدريجيا من إطار حكم عسكري ثم مراقبة سياسية الى اطار إداري. اما الجهات المدنية فقد احدتث سنة 1919، و تعلق الامر بالدار البيضاء و وجدة، و الحق بها الغرب سنة 1921، و هي نواحي خضعت لادارة مراقب مدني مكلف بمراقبة السلطات المحلية المخزنية، بينت سيرت النواحي العسكرية من قبل حاكم كان ضابطا ساميا برتبة جنرال يعين من طرف المقيم العام. وما كان لسلطات الحماية ان تكون لها اليد الطولى على بوادي البلاد و مدنها، لولا نفاذها عبر شبكات الوسائطية التي كان المخزن تستخدمها، و أهم حلقة في هذه الشبكة ساندت السلطات الاحتلالية هم الأعيان سواء بالبوادي أو المدن.

ثانيا: اعتماد عون الأعيان:

تصور الفرنسيون بوادي المغرب و كأنها خلية نحل يستقر في كل خرم من خرومها عين من أعيان البوادي لا يهتم، إلا بقضاياه المحلية فحسب فإن الفرنسيين بتأييدهم و محاباتهم لهؤلاء الزعماء الطبيعيين الموجودين في خلايا الشهد، فإنهم يعملون في الواقع على مساندة الأعيان الذين قد ترتبط مصالحهم بمصالح الفرنسيين ارتباطا و وثيقا.69 لذلك وبعد أن تيقنت الإدارة الفرنسية الاستعمارية من مراقبة مجال المغرب النافع أوكلت للأعيان مهمة مراقبة العالم القروي التقليدي.70
في إطار هذا التصور الفرنسي تكمن خصوصية النظام الكولونيالي، الذي جعل زعماء الاهالي تحت الوصاية، وركز السلط بين أيدهم، محدثا صيغة تعاونية بين بيروقراطي الحماية و سلطات الأهالي.71 و قد ادت هذه الصيغة التعاونية بين سلطات الأهالي و سلطات الحماية الى تغيير في التارجح بين الاستبداد و الديمقراطية المحلية، الذي كان الناس متعودين عليه حتى ذلك الوقت، تغير بصعود هذه السلطة الشخصية و بالإصلاحات التي طالت السلطة المركزية، فالحماية كرست بشكل حاسم هذا التركيز للسلط. و لقد أنشئت في المغرب، بين الحربين العالميتين، الدولة الاستعمارية بصفتها تقنوقراطية متسلطة أبوية و اجتماعية من هلة، لا يقوم الجهاز العقائدي، و أساليب تسيره في حواشي هذا النظام الجديد و هوامشه، بل في مركزه بالذات في الإقامة العامة و في المصالح الجديدة تحت سلطة و وجهين و صيين ( المقيم العام و السلطان)،72 و نتيجة لذلك، فإن الاتصالات بين السلطان و رجال السلط المحليين المعنيين من قبله، لم تكن تتم ألا بواسطة من الإدارة الفرنسية.
و قد نجم عن علاقات التعاون بين الأعيان المحليين و الحماية، اهتمام هذه الأخيرة بتعليم أبنائهم، فأبناء القياد و الشيوخ و باقي الأعيان كان يبعث بهم إلى مؤسسة الحماية التعليمية. أما أبناء الفقراء- البدو، كان يزج بهم في صفوف الجيش، ويرسلون إلى جبهات الحرب بأوروبا.73

ثالثا: استغلال المقدس و الديني:

كان ليوطي ينتقد كل الأفكار التي كان يصوغها مهندسو السياسة الاستعمارية حول المسالة الدينية الواجب أتباعها في المغرب، حيث ناهض فكرة إنشاء إدارة مكلفة بالشؤون الإسلامية تابعة لوزارة الخارجية الفرنسية. إذ كان يعتقد ان أي مجتمع لا يمكن أن يعيش دون معتقد ديني، فغياب الرابطة الدينية تجعل المجتمع يتفكك و ينهار، لذا فقد كانت الكاثوليكية بالنسبة إليه السبب في الاستمرارية التاريخية للمجتمعات الأوروبية، و إحدى عوامل الاستقرار و الانضباط.71
و تسجل الوقائع التاريخية ان ليوطي شارك في تدشين محراب مسجد باريس، وقد ساهمت كتابات المستشرقين و تصورات ليوطي الذاتية و تجاربه الشخصية في بلورة الساسة الدينية التي طبقها الجنرال على المغرب أثناء تسييره للشؤون الداخلية للباد كمقيم عام.
و ارتكزت سياسته على اربع مقومات- كما سبقت الإشارة -: 75


المحافظة على العوائد الدينية وذلك من خلال:
-
عدم سريان مقتضيات ظهير نزع الملكية من اجل المنفعة العامة على المساجد و الزوايا و قبور المسلمين.
- منع الأوروبيين من زيارة الأماكن الدينية خيث صدر ظهير يطلب من السلطان و العلماء تحريم التقاط صور المؤسسات الدينية و القصور السلطانية من قبل الأوروبيين.
- منع المسلمين المغاربة من فتح الحانات او شرب الخمر، كما أجبر أصحاب الحانات على عدم بناء الخمارات قرب المساجد و قبور المسلمين فقد حدث إن منع المقدم nivelle من إقامة حانة بقصبة تمحضيت مراعاة للشعور الديني للسكان، ومع ذلك وبخه الماريشال ليوطي عندما اكتشف في زيارة للمنطقة وجود ألواح إشهارية لبيع الخمر معلقة على الحائط الشمالي المحيط بالسوق.
- فرض مراقبة متشددة على نشاط بعض الجماعات التبشيرية الاوروبية حيث عارض ليوطي نشاط جماعة (Gospel Mission) التي كانت تنشط في المناطق البربرية. والى جانب هذه الاجراءات، ثم الحفاض على ما يعرف ب القعيدة و باسم القعيدة استمرت عادة تقديم الهدايا للسلطان في المناسبات الدينية او اثناء مرور المحلات السلطانية. كما تم التفاوض على ظاهرة الخدم باسم القعيدة و حضر تفتيش المنازل دون حضور العريفة حفاظا على أعراض الأسر المغربية.

الاستفادة من هيبة السلطان:
اعتبر ليوطي ان السلطان يشكل حجر الأساس في النظام السياسي المغربي فهو يمثل السيادة الداخلية و الخارجية للبلاد، و سعى الماريشال الى توظيف مفهوم الخلافة المزاوج بين الزمني و الديني. فبعد سقوط الخلافة بتركيا، أراد ليوطي استغلال الهيبة الدينية للسلطان المغربي ليواجه من خلال تطلعات الشريف الحسين لزعامة العالم الإسلامي و كذا التوسع الإنجليزي بالمنطقة. و في نظر ليوطي، قد متلث مؤسسة السلطان المؤسسة المحورية في هرم السلطة، و السلطان يتربع فوق هذا الهرم مجسدا رعاياه، لذاىمن ليوطي ان احترام السلطان هو احترام لكافة افراد الشعب منطلقا من اعتقاده ان كاريزمية السلطان ليست صفة شخصية بل صفة سوسيولوجية.
و هكدا حرص ليوطي منذ دخوله المغرب الى حين مغادرته له، على إتباع سياسة (ابداء الاحترام و التقدير Politique de garde) ،حيث كان المقيم العام يظهر صورة "الخديم الأول لسيدنا"، و لم يكن يخاطب الشعب المغربي إلا من خلال السلطان، كما حافظ على مراسيم استقباله. و تسجل الأحداث ان ليوطي عندما شفي من مرضه، أرسل ببرقية الى السلطان يوسف بتاريخ 7 مارس 1923 يقول فيها ( بما انه لا يليق بي أن أتوجه مباشرة للشعب المغربي، فانا أطلب من جلا لتكم الشريفة – أدام الله ملككم وزاد في عزكم – ان تنقلوا شكري إلى شعبكم).

توظيف العلماء:
رغم تباين المستويات الثقافية للعلماء، بحيث كان من بينهم من هم على شاكلة الحاج احمد السوسي الميقاني السابق ل هؤلاء الذي كان ينفي و جود امريكا، استنادا الى نظرية بطليموس، او من كان على شاكلة محمد الحجوي، الذي دعا إلى تعلم اللغة الفرنسية، فإن سلطات الاستعمار اعتمدت على مختلف فئات العلماء الذي تواجدوا بلجان مهمتها عقلنة المؤسسات الإسلامية المغربية، و تحديث المخزن، و حتى العلماء بالمجتمع القروي تمت الاستعانة بهم، فهم يشكلون فئة مهمة تتغذى منها النخبة الثانوية، او حسب تعيير موسكا أولئك الذين يمكنون الحكام من ممارسة الحكم.
وهكذا توزع العلماء بين اللجان و اللجان المصغرة التي أنشئت بفاس و مكناس و مراكش لمراجعة الأملاك المخزنية، و الحد من التلاعبات بأملاك الاحباس، و التصرف فيها كما لو كانت أملاكا خاصا، و هي الحقيقة التاريخية التي مازالت مستمرة إلى زمننا الحاضر. كما أوكل إلى العلماء و على رأسهم أبوشعيب الدكالي، مهمة إصلاح القضاء، بتشكيل لجان تحري على أخلاق القضاء و العدول، و إجراء اختبارات الكفاءة، كما تم إخضاع المهنة لقواعد قانونية و أخلاقية، حيث فرض على القضاة و العدول الاحتفاظ بالمستندات القضائية، كما حددت تعريفة رسمية لكتابة الوثائق القانونية. و هدف السلطات الحمائية، من كل هذه الإجراءات، الفصل بين القضاء المدني الذي أضحى من اختصاص القضاة، و القضاء الجنائي الذي غدا من اختصاص العمال و القواد و الباشوات، ومن تم تدعيم مجال العلمنة و عملية الفصل بين الزمني و المقدس.

تحجيم دور الزوايا:
لقد أثارت ظاهرة الزوايا الكثير من السوسيولوجيين و الانثروبولوجيين الاوروبين سواء في الجزائر او في المغرب، و حاولوا ان يتعرفوا من خلالها على الإسلام أو على فهم سبب طول مقاومة المغاربة للاستعمار، و هكذا فإن ميشو بيلير ،الذي كان مستشارا بالشعبة السوسيولوجة، علبة الأفكار داخل إدارة شؤون الأهالي، ظن أن مفتاح المجتمع المغربي يكمن في ظاهرة الزوايا.

فاغلب المغاربة بمختلف شرائحهم الاجتماعية، كانوا منضمين الى الطرق حيث كانت تعتبر انعكاسا لهويتهم الشخصية (قل لي ما هي طريقتك أقول لك من أنت)، و الاجتماعية (طرق النخب/طرق العامة)، و الثقافية، حيث ارتبط الحضريون بضرورة الانضمام إلى الطرق عكس القرويين و البدو الذي كانت الزوايا بالنسبة لهم تعني تعبيرا عن خصوصية اجتماعية و اثنية. و أمام هذه الظاهرة المتعددة الأوجه فإن السلطات الاستعمارية انتهجت سياسة تميزت بخصائص تتجسم في عدم التدخل، و اللعب على خلافات الزوايا و الطرق، ثم منح الامتيازات كمنع ظهائر التوقير و استغلال نفوذ شيوخ الزوايا.


رابعا: التحكم في المجال: تخليص المخزن من السيبة:

شكلت بلاد السيبة او القبائل السائبة، هاجسا قض مضجع المخزن، الذي لم يفلح كلية في التحكم في المجال الترابي إلا فيما نذر و السيطرة على المجال الترابي، كانت تمر عبر سيرورة تمنح الامتياز لعلاقة الدولة- الجماعات، بدل العلاقة الدولة –الأفراد، لكن ولاء تلك الجماعات لم يكن قارا سيما في هوامش البلاد او المناطق الوعرة المسالك، ولم تستطع حركية المخزن (الحركة) أن تتغلب على الصعوبة الكبرى التي كانت تلاقيها في الضبط الكامل للمجال الترابي.76
و بمجيء الاستعمار، و بالرغم من قصر مدته (1956-1912)، إلا أنه أحدث تغيرات في العلاقات الرابطة بين السكان و مجالهم الترابي و السلطة المركزية. إذ اتسم الحضور الاستعماري بالإصرار القوي على السيطرة الكلية على المجالات الترابية و بإخضاع الأفراد لمراقبة الإدارة المباشرة عن طريق أداء الضرائب و التعبئة للقيام بأعمال السخرة. وقد حاولت هذه السياسة و ضع حد لتجزئة الايالة الشريفة التقليدية إلى جزاين تلاد المخزن و بلاد السيبة، 77 منتهجة سياسة التهدئة التي استمرت من سنة 1912 إلى 1934.
لقد أصبحت سلطة المخزن مجرد عنصر زخرفي لإدارة عصرية غير مغربية في مجملها، اما القبائل فلم تعد قادرة على التمرد و التحدي و التملص من قبضة السلطة المركزية، كما ان رجال الزوايا و الطرق قد تقلص دورهم كوسطاء في الصراعات المحلية عندما تحكمت الحماية في تنظيم الإدارة في المناطق التي كانت تعرف ببلاد السيبة و السيطرة عليها.78 و سيعتمد الاحتلال على القواد اعتمادا كبيرا، حيث سيسن ما عرف بسياسة القواد الكبار، متغاضيا عن تجاوزاتهم.
ونظرا للتطورات التي أدت إلى السيطرة على مجموع البلاد سرعان ما ظهرت ثلاثة أشكال من الاستعمار- حسب جورج هاردي: 79
- احتلال استيطاني في السهول و الهضاب الخصبة
- استعمار يكتفي بتأطير السكان: و استقر شيئا فشيئا بالتراجع التدريجي للمقاومة في الجبال
- استعمار يتمركز في المواقع الحدودية، و يهدف إلى تأطير الواحات و التخوم الشاسعة لضبط تنقلات الرحل عسكريا.
لقد اقتفت سلطات الاستعمار أثر السياسة المخزنية في توظيفها الشبكات الوسطائية، وإبقاءها على الرموز الدينية، متميزة عن المخزن بآلياتها و تقنياتها و قدراتها على التحكم و الضبط سواء على مستوى الأشخاص الحماية- الأفراد او على صعيد المجال الحماية- الأرض، فهي بذلك حافظت على المخزن ووظفته بأساليب عصرية، ف الاستعمار من هذا المكسب العريق، بل على خلاف ذلك في صقله. بل على خلاف ذلك في صقله. بل عن إدارة الاستعمار نجحت حيث فشل المخزن، حيث تمكنت من إدماج بلاد السيبة لصالحها فيفضل قوتها، و تفوقها العسكري و التقني و استعمالها الوسائل الاتصال و الإعلام، وانضباط إدارتها، تمكنت من خلق اندماج وطني).80
و لنقرأ شهادة شاهدين من اهلها، جون وسيمون لاكوتور، اللذين عاصرا المغرب المحتل، وعينا الخطوات الاولى للمغرب المستقل، ( لقد راكم النظام الاستعماري بالمغرب دلائل العمى السياسي و عدم التبصر الثقافي، وفي موازاة ذلك ليمكن اعتبار ما شيدته الحماية على مستوى البناء رائعة كولونيالية)، و يتساءلان ( هل يمكن لشعب أن يتلقى من حامي البارحة، إرثا منبعه روحه الإمبريالية- يضم عناصر إيجابية، نافعة و مفيدة؟).
وبناء عليه، لم يكن الاستعمار إزاحة للمغرب التقليدي المخزني، بل دعما لبنياته و ترسيخا لآليات السلطة المستغلة، مضيفا إلى هذه الطبقة الجيولوجية، من الثقافة السياسية التقليدية/المتخلفة، طبقة أخرى من المؤسسات المجهزة العصرية، التي لم يستفد منها احد من أهل البلاد فقط المحميون و أبناءهم. فالاستعمار و المخزن و جهان لعملة و واحدة، ألا و هي الرغبة في الإخضاع و السيطرة.
ليرحل بذلك الاحتلال تاركا إرثه المكرس للإرث السابق عنه. فهل ستحدث قطيعة مع آليات المخزن و كيفيات اشتغاله في المغرب " المستقل"؟ ام سنصفع باستمرارية الفعل المخزني بمنطقه و آلياته و عنفه؟


رابعا: المغرب المستقل: استمرار الفعل المخزني، مأسسته و تكيف آلياته:
بدءا من الاستقلال سنة 1956 عاد المخزن إلى عاداته القديمة، يوزع على الأوفياء المناصب و الوظائف و التشريفات الأمر الذي مكن الملكية و لمدة طويلة من مكافأة المقربين و كذا ضمان و فائهم و إخلاصهم و في المقابل و تماشيا مع تطبيق البيعة فإن كل صاحب و وظيفة عليه أن يبرهن بأنه يستحقها، اذ عليه الوفاء، وفاء لا تشوبه شائبة، في حين أن كل خيانة تجر على صاحبها الإبعاد وفقدان وظيفته و ما يترتب عنها من مدا خيل، و قصبة الكلاوي تلويث تذكر كل من سولت له نفسه خيانة العرش.82 ( وبوصول الحسن الثاني الى الحكم سنة 1961 كانت لديه إدارة قوية تسيرها اطر مغربية، ولكنها لا تزال تضم عددا مهما من الأطر الفرنسية، وهي الإدارة الشريفة الجديدة التي غدت العمود الفقري للسلطة الملكية، أي المخزن الجديد).83 و حل المخزن الجديد محل السلطة الإدارية الفرنسية، مما اتاح إصلاحا رابعا منذ إصلاح السلطان إسماعيل، وتشكل هذا المخزن أساسا من القوات المسلحة الملكية ومن مصالح الأمن التي كان يسيرها في ذلك الحين مجموعة من ضباط جيش الاستعمار المتكونين بمدرسة الضباط بمكناس، وقد مثلهم إلى غاية 1972 الجنرال أفقير.
و لأكثر من عقود من البحث، خلص معظم الباحثين و المحللين على اختلاف مقارباتهم و انتماءاتهم المعرفية و الثقافية و العرقية، و الإيديولوجية، إن نظام المخزن لم يتغير في طبيعته، فهذا النظام ظل في جوهره ذات النظام، وإن اتسع مضمار وظائفه و اختصاصاته، بل عن الاستقلال مكن المخزن من تنمية حقل تدخله و توسيع نشاطاته.
يكتب آلان كليس أن المخزن لم تتبدل طبيعته طيلة تاريخ نشأته، فقد تمكن من ترسيخ وجوده بفضل مجموعة من الآليات المؤسساتية، فإذا كان يمثل في السابق جماعة يتوحد أفرادها في الولاء لجهة واحدة، فإنه تحول اليوم إلى سلطة مؤسسة تتمتع بدعم المجموعات التي تقوم هي ذاتها بمراقبتها و توجيهها، ويقوم المخزن بربط علاقاته بالمحيط بواسطة شبكات المراقبة و معبئا أثناء ذلك عدة آليات:84
- الشرعية الدينية و التاريخية للسلطة بدل القانون لتبرير واجب الطاعة المعمم على الجميع.
- سلطة الحماية تجاه الأخطار الخارجية او الداخلية و الميل إلى احتكار رموز الهوية الوطنية.
- وظيفة التحكيم بين الفاعلين الاجتماعيين و السياسيين المتصارعين و المنقسمين على الدوام.
- القدرة على لعب دور الرعاية من خلال مراقبة حصول الزبناء على مختلف أنظمة ووسائل التمثلية الخاصة أو حصتهم من الموارد و المنافع.
- وظيفة مراقبة التراب الوطني و المواطنين بواسطة التقسيم الإداري.
و مخزن اليوم باعتباره سلطة مركزية يمزج بين نمطين من الزعامة يحاول من خلالهما تقوية القاعدة الاجتماعية لسلطته: القيادة التقليدية التي تربط بمختلف شبكات الزبناء، وأنماط التحالفات المتفاوض بشانها او المفروضة على الجماعات و الأفراد التي تتيح لهؤلاء حيازة النفوذ و الخيرات و الخدمات ثم قيادة عصرية تنطوي ضمن الأشكال المؤسساتية الاقتصادية و التعيين في المناصب السامية و التعويضات، و حشدا للدعم من خلال التنظيمات الحزبية او السوسيوثقافية.85
و يستند المخزن كنظام باتريمونيالي الى سياسة:86 – تقريب الأوفياء من الرئيس أو الزعيم – شخصنة النظام من جهة، و الرفع من قيمة العلاقات الشخصية بين الزعيم كقائد و كأب و محيطه – مؤسسات غير واضحة المهام – استغلال التوترات و النزاعات السياسية – برعايتها من ناحية و التحكيم بينها من ناحية آخرى – القوة العسكرية– هيمنة الدين الرسمي.
فالمخزن يجدد دينامية و ذاته و قدراته على التكيف في مدار عدة توابث ايديولوجية ( الأصالة، المعاصر، التاريخ العريق، الخصوصية، الدين، المقدسات...) إذ يوظفها دوما كدعامات مرجعية لشرعنة السلطة، ( ولا يزال يكتسي السلوك السياسي للفاعل المخزني الى اليوم، أبعادا و دلالات يصعب ان لم نقل يستحيل استبيان شفراتها خارج منظومة القوانين المخزنية ذاتها، لذلك فإن كل محاولة لإقحامها في معادلة النظم المخزنية ذاتها... وفي سعيها لاحتكار مجالي العصرنة و التقليدانية، ابتدعت السلطة المخزنية واليات و رموز منها ما ينتمي للدولة و منها ما يناسب للمخزن)87.
و عملية الإنتاج هذه لا تتم الى جانب او بالموازاة، أي وجود نظام المخزن جانب نظام عقلاني، بل من داخله، فمخزن اليوم يشتغل من ضمن النسق العقلاني و مؤسساته الحديثة، وهو يتطور أكثر من نتصور، مع حفاظه على آليات اشتغاله المازجة بين ما هو عصري و تقليدي ( ليتمكن من مواجهة التغير الاجتماعي مستعملا في ذلك، الموارد المتجددة لنزعته المحافظة، وما دام المخزن عاجزا عن ضمان تمثيلية حقيقية للناخبين في النظام السياسي المغربي. فإنه يستمر في تقسيم الجسد الاجتماعي لحماية مصالحه، و صيانة التوازن السياسي العام). مجددا بذلك مع ماضيه بازدواجية متناقضة، منحته حيوية متجددة في إطار الدستور الممنوح و الملكية المطلقة.
فالنظام السياسي المغربي، 89 تنبع طبيعة تفاعلات من دينامية بنيات و مرجعيات قوية تتجسد في ( جهاز الإلزام بالإخلاص و الولاء، وصراع متعدد الأشكال ضد القوى السياسية المنحدرة من الكفاح من أجل الاستقلال، و أخيرا تحالف الأعيان خاصة في القرى، وتشجيع نمط الأعيان في الحياة و المؤسسات المدنية بما فيها التسيير الإداري و الاقتصادي).90
و ما يدعم اكثر طرح استمرارية المخزن و ثباته اديولوجيا، قول رجل سلطة قبض على المغرب مدة زمنية تناهز ربع قرن، وهذا الرجل هو إدريس البصري وزير الداخلية الأسبق، اذ قال ( في بلد ما تزال فيه فكرة المخزن ذات وزن قوي و منتشرة على نطاق واسع، يجعل شرف تمثيل صاحب الجلالة رمز الوحدة الترابية و ضامن حقوق و حريات الأفراد و الجماعات و المجموعات الاجتماعية من عامل الإقليم رجل سلطة فوق الحزازات و الخصوصيات المحلية، كما يضمن ذلك الشرف للعامل احترام المواطنين و تقديرهم، وهي أمور تساعد على القيام بمهامه في أحسن الظروف، فسكان المنطقة التي يدير السيد العامل أمورها، لا يترددون في طلب مساعدته في حل مشاكلهم الشخصية و الجماعية...).91
ويدل صمود منطق المخزن على انه مازال يملك حيا عاليا في التعامل و الاخذ و العطاء.92 فلكل مرحلة خطابها، آلياتها، تاكتيكاتها و التلون حيب المراحل سمة تندمج بها الممارسة المخزنية، التي لا تحيد عن مضامين الماضي بل تسعى الى تثبيتها و تجديرها مع توالي المراحل، ولا يعوز المخزن من القدرات ما تجعله يفطن سريعا، ضرورة الانغراس في قلب هذا التتالي و التتابع، وما يحمله نن خطر المتغير و الجديد و المستجد، فالمخزن بأساليب يمتطي قلب الحداثة ليطوعها لصالح تقاليده، و بالتالي يغدو أشغاله من قلب النسق العقلاني لا من خارجه أو بالموازاة معه بعد ان يمتص المتغيرات لتصبح عوامل متداخلة لمساعدة على الاستمرارية.
و يبني المخزن هذا النهج تحت شعار ثنائية الحداثة / التقليد و بلغته "الأصالة و المعاصرة"، شعار المخزن بعد "الاستقلال" قبل أن يكون عنوانا لحزب الجرار -لصاحبه فؤاد عالي الهمة- و المجرورين الذين كونوه، بل إن هذه العنونة دليل صارخ على تجذر المخزن واستمراره، رامزا للحداثة بالمعاصرة و للتقاليد بالأ صالة، موحيا بانه يزاوج بين افصل ما اتى به الحديث، وبين اجود ما ورثه عن الاصيل، بعد صيرورة تحاوريه بين العنصرين، و السؤال المطروح هنا، هل تقاليد المخزن تحمل من الايجابية ما يحعلها اصالة قديرة؟ و هل تفتح البوابة للوافد لإفادة المجتمع و تطويره ام إبقاء المنطق المخزني على قيد الحياة؟ أي ما يكفل له التكيف القشري دون التغير الجوهري؟ ليسبح المجتمع في حداثة وهمية مقابل تجذر و تصلب النواة التقليدية التي تمتص دوائرها الحداثي الوافد من بواباتها، المحروسة من قبل الخدام و الأوفياء، لتزداد صلابة و قدرة على التفشي و السريان كورم خبيث في بنيات النظام السياسي و المجتمع على حد سواء.
يؤكد جاك بيرك ان هناك دائما في المغرب تبادلا مستمرا بين المعاني و الأشياء، ولا شيء يضبط، ففي كل مرحلة نجد متغيرا لكنه لا يعني التغيير كتبني مفهم حقوق الإنسان أو المواطنة أو التناوب، ادعاء القيام بسياسات تنموية للتنمية البشرية او لمحاربة الفقر و الأمية، خطب حول الديمقراطية و الحداثة ...إلخ...، وما وظيفة هذه الشعارات سوى دعم استمرارية المنطق المخزني و ترسيخها. و تعزى هذه الوضعية الى عدم وصول المجتمع الى حالة المواجهة بين النمطين ( التقليد و الحداثة) ولربما هذا ما يبرر طرح " المتغير في قلب الاستمرارية". فالبنية الفوقية المسماة ظاهريا بالمخزن لا تعد فحسب رمزا للاستمرارية التاريخية بإدامة التقليد، بل إنها أيضا تدمج الحداثة بقبولها لبعض المتغيرات، 93 التي تبقى مؤطرة بالهاجس الاستراتجي و محكومة بالمنطق السياسي/ ما جعل المخزن يمثل نمطا لحكم الأشخاص لكن أيضا طريقة للوجود و الفعل. 94 فمنطق الحكم تبلور حول المخزن الذي نمط التوجه الكلي للممارسة السياسية معتبرا الدولة من ممتلكاته، ينتقي موظفيه بشكل تقديري وفق تراثية معينة، يقرر بنفسه التسلسل و التوجهات يتحكم في الاضطرابات و أوقات الهدوء، 25 حيث يضل النظام المؤسساتي في وضعية تابع أمام هيمنة الروابط الشخصية.96 التي توظف للحؤول دون مأسسة العمل السياسي، بل الاتجاه صوب الحفاظ و الإبقاء و الاستمرارية.
و قد خضعت سياسة المخزن منذ ما قبل الاحتلال لمسألة حيوية تتمثل في المحافظة على سلطة السلطان، و قليلون هم السلاطين الذين كانوا يطمحون الى اكثر من ذلك.97 ليترسخ المنطق المخزني في المغرب "المستقل"، و تستمر دوائر السلطة المتحلقة حول النواة/ المركز، حامية لهذا الأخير من الإخطار المحيطة بنسقه، فدور هذه الدوائر حماية المركز من هدم المحيط له لتتأكد بذلك الطبيعة المركزية النظام المخزني، و التي تمثل المبدأ الموجه لعمليات سيطرة هذا المنطق السياسي الرامي إلى امتصاص طاقة كل حقل مواجه و احتوائه و تدجين دينامية النظام السياسي و حركية المجتمع، ليبدو الموروث المخزني نمطا موازيا في تسيير الحكم فهو يراقبه و يكيفه.28
فرغم نزوع المركز إلى الانغلاق فإن عليه أن يبحث عن نخب تدبر شؤونه، بحيث تتجدد المنافسة باستمرار بين النخب الساعية، إلى تحقيق أقصى تقرب، مما يضمن هيمنة المركز السياسي، لهذا يفهم لماذا لا ينصب الاعتراض على الخدمة و الهبة و التقرب في حد ذاتها، و لكن على المواقف وواجبات الافراد المواجهين لبعضهم بألقابهم و رتبهم و طاقة العنف التي يسعى كل واحد منهم الى إثباتها و تحويلها لنفسه، بحيث يغدو منطق التعبئة محددا مهما في انتقاء الخدام من بين الأوفياء، لضرورة تطوير القدرة على تعبئة أكثر قوة تتماشى مع التطور الديمغرافي و تعقيد البنيات الاجتماعية، بشكل يمكن من توظيف كل الحركات لخدمة الهياكل الجمودية حيث كانت ردود فعل السلطة تستبق الأزمات، و تتجاوزها بإدخال و هم حركيته في هياكل اللاحركية.99 و بالتالي فالصيغة التي يقدم بها المخزن نفسه كأسلوب سياسي موازن بين الحداثة و التقليد ليست سوى و هم كبير. فما الذي يحدث؟.
تجلب العناصر الحديثة إلى دائرة التقليد التي تصم داخلها دوائر تمثل المقربين و الخدام لحماية المركز من هدم المحيط له. فعملية ادخال أي عنصر حديث ترتبط بمتطلبات كل مرحلة التي تلعب فيها الضغوطات الخارجية دورا أساسيا، وبذلك يستبق المخزن إلى جلب هذا الحديث، و تدجينه و تبنيه في خطابه قبل أية جهة أخرى، خاصة المنافسة أو المناوئة، فتتقوى بذلك النواة التقليدية، ويشتد تحكمها في باقي المجالات و تقوم الدوائر الأخرى بلعب دور الأحصنة (الحصن) في قلب الدائرة الكبيرة، و حول كل دائرة خدام و حراس و أوفياء للتقاليد و لمنطق الرعاية و الخدمة و الهبة و التقرب، وبذلك لا يمكن الحديث عن دائرتين مستقلتين تمثلان كل على حدة ثقافتها، الحداثة من زاوية و التقاليد من زاوية أخرى، بل حداثة مسخرة لخدمة التقاليد و تجددها نفسها و تقويتها للاستمرارية. و ينبغي الانتباه حين الحديث عن الحداثة إلى الفرق بينها و بين التحديث. ( فالحداثة Modernité، تنطوي على تغيير بنيوي عميق في الفرد و المجتمع فكرا أو نظاما و حضارة، أما التحديث Modernisation ، فيعني التغيير الخارجي السطحي، كما في البناء الحديث أو اللباس آخر موضة أو التنمية الاقتصادية..وبهذا فالتحديث هو غير الحداثة).100
و ما يحدث في بلاد الالف ولي، أبعد ما يكون عن الحداثة، إذ لا يعدو ان يكون مجرد تحديث قشري للنواة التقليدية الصلبة للثقافة السياسية المخزنية السائدة منذ قرون ( إصلاح مدونة الشغل، لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية، الدعاية لحقوق الإنسان و الديمقراطية و المواطنة...). و بهذه العملية التوهيمية يكون المخزن قد استفاد من العناصر ذات الطابع الحديث لدعم الواحد الثيولوجي و السلطة العليا و العقل الكلي الشامل، و كلها مفاهيم تجسم النظام الأبوي بسلطته المطلقة و بنياته التقليدية الراسخة، مقابل لإحكام قبضة العنف و القهر و المخزنة و التخويف على المجتمع و الاستمرار في إضعافه بدل تقويته و تنميته.
على سبيل الختم: مزيد من الأسئلة المؤرقة:
هل استسلم المجتمع المغربي للمنطق المخزني، وتركه يجهض حركاته الجنينية صوب تحقيق مجتمع يقظ متحرر؟ أم أن اليقظة الشعبية يعوزها مشروع معرفي متنور ثائر؟
إلى أي حد سيجت الثقافة السياسية التقليدية ،القائمة على هيكلة المقدس للسياسي، إمكانيات التغيير؟ وكيف يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي في ظل دوائر تتحرك لصالح ثباتية و استمرارية المنطق المخزني؟ وكيف يمكن الحديث أو استجلاء مؤشرات الانتقال في غياب أبرز مستلزمات التغيير الكامنة إرساء قواعد دستورية ديمقراطية غير ممنوحة وقاطعة مع المنتوجات الفكرية السياسية التقليدية، وفي احترام حقوق الإنسان كافة وكفالة احترامها فعليا وليس خطابيا؟
هل هذه الثباتية والاستمرارية قدر جبري ينبغي الخضوع له، والإيمان به كقضاء أنزل ولا مجال لمقاومته ومواجهته؟ ثم ما العمل لمجابهة هذه المحافظة المفرطة وأقنعهتها الحداثية / المعاصرة، والتخلص منها وبتر جذورها ورواسبها ؟، فمتى يمكن الحديث عن مغرب غير ممخزن ؟ وهل تنطوي بين ثنايا المجتمع المغربي الآني مؤشرات التغيير من خلال انتفاضاته الاجتماعية المتناثرة هنا وهناك؟

إن الشعوب مسؤولة – بدورها – عن استعبادها وعن تحررها، ومواجهة المخزن تستدعي بالضرورة ، امتلاك مشروع مجتمعي متبصر خلاق وثوري ، قواعده الفكر والوعي، وتحديدا وعي المجتمع بذاته وبضرورة التوحد واليقظة الرؤيوية، لتحقيق خطواته نحو التحرر من المخزنة ومن ثقافة الخضوع والسيطرة . والحقيقة أنه لا الخضوع و لا السيادة أبديين، ووحدها ثقافة التحرر البانية قادرة على إحراز نتائج، وخلق تراكمات معرفية وميدانية تعين على استشراف مستقبل بلا مخزن.
الهوامش:

1- Rachida Cherifi, le makhzen politique au Maroc, hier et aujourd'hui, Afrique orient 1988, p :17
2-Henrie Terrasse, Histoire du Maroc, ed. atlantides, Casablanca 1930
3- Robert Montagne, Berbère et makhzen dans le sud marocain, essui sur les transformations politiques des berbères sédentaires, paris 1930.
4- Clifford Geertz, Islam observed, religions development in Moroccao and Indonesia, Yale university press 1968, p:
5- عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، الجزء II ، المركز الثقافي العربي، 1994، ص: 209-210

6- Abdallah Laroui, les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1930-1912), François maspero, paris 1977, pp : 120-124
7- OP P cit, pp : 120-124
7مكرر1- جيرمان عياش، حول تكوين الشعب المغربي، دراسات في تاريخ المغرب، الرباط 1986،
ص 163.
7 مكرر 2- ادريس بنعلي، الدولة وعملية إعادة الإنتاج الاجتماعية بالمغرب، في جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب، افريقيا الشرق 1992، ص 217.
8- عبد اللطيف اكنوش، السلطة و المؤسسات السياسية في مغرب الأمس و اليوم، مكتبة بروفانس، الدار البيضاء، 1988، ص106.
9- محمد الطوزي، الملكية و الاسلام السياسي في المغرب، ترجمة خالد شكراوي و محمد حاتمي، نشر الفتك، مطبعة النجاح الجديدة، مارس 2001، ص33.
10- نفسه. ص 33
11-Micheaux Bellaire, l'Administration au Maroc, bulletin de la société de géographie d'Alger, 1909.
12- Rachida Cherifi, le makhzen politique au Maroc d'hier et d'aujourd'hui, Afrique du nord, 1988 p :9
13- جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية و النخبة السياسية في المغرب، دار الوحدة بيروت، 1982، ص33.
14- نفسه، ص34.
15- هند عروب، المخزن في الثقافة السياسية المغربية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، تحت إشراف د. عبد اللطيف حسني، جامعة محمد الخامس للعلوم القانونية و الاجتماعية و الاقتصادية، الرباط- أكدال، ص72-73
16- نعومي شازان، الثقافات السياسية و الديمقراطية في إفريقيا، في مصادر الديمقراطية ثقافة المجتمع ام دور النخبة؟، لاري دايموند و آخرون، دار الساقي بيروت 1994 ص 73.
17- عبد الله حمودي، الشيخ و المريد، ترجمة عبد المجيد جحفة دار توبقال،1996 ص75.
19- يؤكد جورج بلانديين ، على أهمية المخيال السياسي l'Imaginaire في صياغة العمل السياسي، فالعلاقة و ثيقة بين بني القداسة و بني السياسة.
19- م. طوزي، الملكية و الإسلام م س ذ ص 67
20-محمد أركون، القدسي و الثقافي و التغيير، مفهوم السيادة العليا في الفكر الاسلامي، الفكر العربي المعاصر، ع39، ص15-33. ( ترجمة د.هاشم صالح).
21- جورج بلادنيه، السلطة و الحداثة، حوار اجراه د.هاشم صالح،، الفكر العربي المعاصر ع 41، ص 21.
22- م. طوزي، الملكية و الاسلام مم.س.ذ ص69.
23-عبد الرحمان ابن زيدان، العزو الصولة في معالم نظم الدولة الجزء I المطيعة الملكية، الرباط 1962 ص 28.
28- نفسه، ص 401.
25- رحمة بورقية، الدولة و السلطة و المجتمع، دار الطليعة – بيروت1991. ص 36-37.
26- محمد بن احمد أكنسوس، الجيش العرمرم، محطوط 1877، الخزانة العامة رقم 965 –ص-12-20.
27- LAROUI, les origines...op.cit p72.
28- ع. حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ ص38.
29- ج. عياش، حول تكوين الشعب المغربي م.س.ذ، ص 337
30- نفسه ص 337.
31-محمد معتصم، التطور التتقليداني للقانون الدستوري المغربي، رسالة دكتورة، جامعة الحسن II، الدار البيضاء 1989.
32-م. الطوزي، الملكية و الاسلام..، م.س.ذ ص74.
33- ع. حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ.ص.
34- Mohamed Houroro, Sociologie coloniale du Maroc de Micheaux Bellaire, Afrique orient 1988, p :
35- حمودي، الشيخ و المريد، س.ذ.ص112.
36- P. Rabinow, Symbolic domination, cultural form and change in morocco, univ.of chicago and london 1975.
+Cloford Geertz, Islam observed, religions, developpement I, Morocco and Indonesia, yale press, 1968.
37- Augustin Bernard, le Maroc en 1913, P:203
38- أبو العباس احمد بن خالد الناصري، الاستقصا، ج 5 القسم I، ص 26 و 31
39-Micheaux Bellaire, notes sur les anales et les amhaouchs, ab voll 1917, p16
40- Ibid, p :96
41- C.Geertz, islam...p :33
42- تقاسم المجال المغربي عهد السلاطين العلويين، ست زوايا رئيسية: ( زاوية تامكروت او الزاوية الناصرية – الزاوية الدرقاوية- الزاوية الوزانية- الزاوية الشرقاوية- الزاوية الكتانية – زاوية ماء العينين) و قد حملت الزاوية الوزانية الشعار الشهير ( لا سلطان عندنا، ولا سلطان بدوننا).
43-A :Laroui, les origines...op. cit, P : 145-146
44- Ibid ; p : 153-154.
45- الزياني، واسلة السلوك في سياسة الملوك، مخطوط' ص 15-16.
46-M. Bellaire, l'administration – op cit, p14.
47- محمد كلاوي، المجتمع و السلطة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1999 ص 107
48- Henrie Terrasse, histoire du Maroc, op.cit, p 144.
* انظر محمد كلاوي، المجتمع و السلطة، م.س.ذ ، ص108.
49-ج. واتربوري، امير المؤمنين، م.س.ص 24-25.
50- bellaire, l'organisation des finances au maroc, a.m 1927 vol26, p :171
51- الحافظ بنمان، المخزن كنمط للسلطة بالمغرب، بحث لنيل ج.ج.ع.ج، جامعة الحسن II الدار البيضاء، 2002.
52- جير مان عياش، دراسات في تاريخ المغرب، م.س.ذ، ص 145.
53- ع. الله حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ، ص145.
54-J.Erckman, le Maroc moderne, paris 1885, p :175
55-M.Bellaire, les impôts marocains, a.m 1904 vol 1 p :68
56-Dr. Weisgerber, trois mois de compagne marocaine, Paris 1907, p :93
*Dr.weisgerber, au seuil du Maroc moderne, Rabat-Laporte 1947, p :53
57- Robert Montagne, révoltions au Maroc, paris 1953, p :96
58- ابن زيدان، العز و الصولة، ص 239.
59- لوي أرنو، زمن المحلات السلطانية، الجيش المغربي و أحداث قبائل المغرب ما بين 1860 و 1912، ترجمة محمد ناجي بن عمر، افريقيا الشرق 2001، ص61.
60- ع. حودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ، ص104
61- ج. و اتربوري، أمير المؤمنين، م.س.ذ ص32
62- نفسه، ص32.
63- R.Montagne, Berbères..., p :377,378.
64-ج. واتربوري، أمير المؤمنين، م.س.ذ، ص 27
65- الحافظ ينمان، المخزن كنمط للسلطة، م.س.ذ، ص 30-31
66-إدموند دوتي، السلطة المغربية، ترجمة محمد العفراني، وجهة نظر ع ضريف1999.2000k
67-ع. حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ، ص142.
68-Daniel Rivet, Lyautey et l'institution du protectorat français au maroc1912-1925 (t3).
69- ديل إف-ايكلمان، المعرفة و السلطة، م.س5، ص 225.
70- Remy leveau, le felah marocain défenseur du trône, presses de la fondation des x. politiques, février 1985, p :7
71-ع. حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ ص 143-145
72- نفسه، ص 146
73- د.إف.إيكلمان، المعرفة و السلطة، م.س.ذ، ص227
74-Daniel Rivet, Lyautey et l'institution du protectorat français au Maroc 1912-1925 (t3à, Ed harmattan Paris 1988, p.p : 121-153.
75- انظر ترجمة لمقتطف من كتاب Daniel Rivet بعنوان السياسة الدينية للحماية بالمغرب، في المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ع 13/14. 1991/1992، ص 149-165.
76- محمد الناصري، مراقبة المجال الترابي أو تنميته؟ مأزق السلطة منذ قرن، في التحولات الاجتماعية، مركز طارق بن زياد، طi ، 2000، صز 21-23.
77- نفسه، ص27.
78-ج. واتربوري أمير المؤمنين، م.س.ذ،ص40
79-جورج هاردي، الجغرافيا و الاستعمار، باريس، غاليمار، 1938، ط7،ص207. انظر محمد الناصري، مراقبة المجال...، م.س.ذ، ص29.
80- إدريس بنعلي، الدولة و عملية إعادة الإنتاج الاجتماعية بالمغرب، م.س.ذ، ص217.
81-Jean et Simone la Couture, le Maroc à l'épreuve, ed. du seuil, paris 1958,p :23-24.
82- Pierre Vermeren, le Maroc en transition, la découverte, Paris 2001, p43
83- Ibdid, p26.
84-Alain Claiss, le makhzen aujourd'hui in le Maroc actuel, ed.du CNRS ,PARIS 1992p288.
86- Jhon Waterbury, la légitimation du pouvoir au Maroc, AA.N1977.
87- محمد كلاوي، المجتمع و السلطة، م.س.ذ،ص105.
88-Rachida Cherifi, ma makhzen politique..., op. cit,p :101.
89- هند عروب، مقاربة أسس الشرعية في النظام السياسي المغربي، رسالة لنيل الدكتورة تحت اشراف: د.عبد اللطيف حسني جامعة محمد الخامس للعلوم القانونية، الرباط-أكدال 2007.
90- ع. حمودي، الشيخ و المريد، م.س.ذ، ص105.
91- Driss Basri, l'administration territoriale au Maroc, doctorat d'état université des sciences sociales de Gronoble 1987, p :44.
92- م. طوزي، الملكية و الاسلام...، م.س.ذ، ص8.
93-ادريس بنعلي، الدولة و عملية الانتاج الاجتماعية...، م.س.ذ، ص213.
94-Beatrice Hibou, les enjeux de l'ouverture au Maroc, les études de C.E.R.I, N°1, avril1996, P7.
95- SAAF Abdallah, vers la décrépitude de l'état néo-patrimonial, limites du néo-patrimonialisme comme concept et phénomène observable, A.A.N 1989 ? P73.
96-Alain Claiss, le makhzen aujourd'hui,op cit, p298.
97- ج. واتربوري، امير المؤمنين، م.س.ذ، ص32-34.
98-Remy Leveau, le sabre et le turban, l'avenir du Maghreb, 1993, p84
99- A.Saaf, vers la décrépitude...op-cit, P :88-89
100- هشام شرابي، المثقفون العرب و الغرب في نهاية القرن العشرين، المستقبل العربي، ع 175- 1993، ص30.


 

تعليقات

التنقل السريع