دلالة الوقوف والاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة
بقلم الأستاذ: خالد أقرقاش
إن الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة الذي يصادف اليوم
الثالث عشر يناير من السنة الميلادية، أضحى عرفا منذ القدم لدى الشعب الأمازيغي في
مختلف بقاع ثمازغا، كما أصبح في الوقت الراهن من أهم المناسبات التاريخية التي
يحتفل بها سكان شمال إفريقيا، كنوع من الاستمرارية النضالية الواعية بمدى أهمية
استحضار التاريخ الأمازيغي العريق المتجذر المتسم بالبطولات والتحديات.
و يعتبر التقويم الأمازيغي من بين أقدم التقويمات التي
عرفتها الإنسانية على مر العصور، حيث استعمله الأمازيغ قبل 950 ق م وبخلاف التقويمين
الميلادي و الهجري فإن التقويم الأمازيغي غير مرتبط بأي حدث ديني أو عقائدي، بحيث أن
السنة الأمازيغية مرتبطة بواقعة حدث تاريخي مهم تجلى في انتصار القائد الأمازيغي
" شيشونك" في معركة حاسمة ضد قائد الفراعنة رمسيس الثالث في معركة دارت
رحاها في منطقة "بني سنوس" قرب تلمسان، إذ كان الفراعنة قبل هذا التاريخ
ينظمون هجمات متكررة على بلاد الأمازيغ للاستلاء على أراضيهم و خيراتهم و نهب
ثرواتهم ، وهي تعد أول حرب في تاريخ الانسانية يخوضها شعب لتحرير أرضه و حدثا
تاريخيا هاما في التاريخ الأمازيغي القديم بحيث تمكن هذا القائد ( أي شيشونك) من
اعتلاء الحكم الفرعوني و تأسيسه للأسرة الفرعونية الثانية و العشرون و توثق النقوش
التاريخية المحفوظة على عدد من الأعمدة في معبد الكرنك في مدينة الأقصر بمصر، لهذا
النصر العسكري و تتحدث هذه الآثار بالتفصيل عن الأسرة الأمازيغية الثانية و
العشرين التي استطاعت أن تحكم مصر، فكان ذلك التاريخ بداية الحساب أو التأريخ
للتقويم الأمازيغي و منذ ذلك التاريخ أصبح يقام سنويا و إلى الآن كرنفال "
إيرار" أو " إيراذ" الذي يعني الأسد، مقارنة لقوة ملك "شيشونك"
و سلطانه بملك الغابةو ظل الأمازيغ يخلدون كل سنة ذكرى هذا الانتصار التاريخي و
منذ تلك المعركة أصبح ذلك اليوم رأس سنة جديدة حسب تقويم خاص.
فرغم قلة الدراسات و الأبحاث التي أنجزت حول هذا
الموضوع، إلا أن امازيغن اعتبرو و لا زال يعتبرون راس كل سنة امازيغية جديدة يوما
متميزا في حياتهم فهو يمثل نهاية مرحلة و الشروع في مرحلة جديدة يأملون أن تكون
أفضل من سابقتها لذلك دأبوا على الاحتفال بحلول كل سنة جديدة التي تصادف شهر يناير
من كل سنة و هو ما يعرف ب " يان يور" و هي عبارة أمازيغية مركبة من
كلمتين "ين" أي واحد و "يور" أي الشهر بمعنى أن العبارة تعني
الشهر الأول ، فيسمى اليوم الأول " ءيخف ن أوسكاس " أي رأس السنة، أما
ليلة السنة الجديدة فتسمى "ءيض ن اوسكاس" و هي كلمة مركبة من
"ءيض" و تعني الليلة و أسكاس تعني السنة، و يطلق عليهما كذلك "
أذاف أسكاس" أي دخول السنة الجديدة أو " ءيض ن نير" أي ليلة يناير
أو أمغار أو حكوز أو حكوزة( العجوزة : ويقصد بها الليلة الأخيرة من السنة
المنصرمة) و بالتالي يعني أول الشهور في التقويم الأمازيغي.
و يعتبر الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة تعبيرا
صريحا عن تشبث امازيغن بالأرض و خيراتها و يتجلى ذلك في الطقوس المرتبطة بالاحتفال
حيث يتم بالمناسبة إعداد العديد من المأكولات و الوجبات التقليدية المتعارف عليها
و التي تختلف باختلاف المناطق و بأنواع المحصولات المنتجة بها من حبوب و خضر و
غيرها، و يتم إعداد "امنسي" العشاء احتفاء بالسنة الأمازيغية الجديدة، و
الطعام الذي يقدم يجب أن يشكل رمزا لغنى و خصوبة و وفرة المحصول و الذي يختلف من
منطقة إلى أخرى في ربوع ثامازغا، ففي قبائل الريف مثلا تختلف مظاهر الاحتفال من
منطقة إلى أخرى، فبقبيلة إبقوين يخصص يومين للاحتفال بقدوم السنة الجديدة في اليوم
الأول الذي يصطلحون عليه بالريفية ب "أس نثشاريت إينوذا" أي (يوم ملء
الأطباق الكلاسيكية المصنوعة من بالحلفاء، و إينوذا جمع أندو أو ثندوت) حيث
تملأهذه الأخيرة بجميع أنواع الفواكه الجافة التي يملكونها أو التي يعمدون إلى
شرائها قبل يوم الاحتفال ( اللوز، ثيموياز، التين اليابس، الزبيب، الحمص، الفول،
...)
و تقوم النساء بصنع كميات كبيرة من الفطائر ( المسمن و
البغريرحطيطاث)، و يتوزع الصبيان إلى مجموعات و يطوفون على البيوت مرددين عبارة :
يانوب – يانوب...فتعمد النساء إلى إعطاء كل مجموعة نصيبها من الفواكه الجافة و
الفطائر، وقد يقفون أمام منزل يأوي عروسين حديث الزواج فيرددون البارات التاللية :
يانوب ، يانوب /أثسريث أنغ انجذيذ/ أو شانا شواي نتريذ/ نيغ أم نعرض ذ كوبريذ، و
عندما ينتهي الصبية من الطواف على المنازل يجتمعون فيما بينهم في المساء لتوزيع ما
جمعوه فيما بينهم. و في اليوم الثاني ، تقوم النساء باعداد وجبة عشاء مميزة، غلبا
ما تكون عبارة عن دجاج بلدي...،أما في قبائل الأخرى أيث ورياغل -إيبقوين- أيث
تمسامان- أيث وليشك - أيث توزين -إقرعيين -أيث سعيذ... فإن عادات الاحتفال تكاد
تتشابه فيما بينها ، إذ يتم توفير بعض الفواكه الجافة و خاصة التين و الزبيب وإعداد
و جبات من الجبوب و القطاني مثل : ثيغواوين أو ثيموياز التي يتم إعدادها بتحميص
القمح أو الشعير وو جبة إمشياخ أو إمشيخن التي تجمع بين القطاني كالعدس والفول و
الجلبان و الجبوب و خاة الذرة و القمح إضافة إل الثوم، كما يتم إعداد وجبة البقول
إغديون أو إو ذب حسب إقرعيين و ذلك من النباتات التي تكون موجودة في فترة
الاحتفال، أما في وجبة العشاء التي تعتبر أساسية، فيتم إعداد عدد كبير من الرغايف
أو ثاغفين أو رمسمن و كمية مهمة من التريد وهو نوع من الرغائف الرقيقة و الدائرية
و التي يتم طهيها على الترادة التي هي عبارة عن قدر" أقنوش" ( تشبه في
طهيها طريقة إعداد ما يسمى بالورقة الخاصة بالحلويات)، كما يتم ذبح ديك بلدي و
طبخه في المرق الكثير دون فواكه، و يتم تقطيع مختلف الرغائف التي تم إعدادها في
صحن أو قصعة كبيرة لإعداد "أبون أو أرفيس" و يصب أو يفرغ عليها الدجاج
المطبوخ بمرقه و لحمه، و إلى هذه الوجبات تضاف في بعض المناطق كتمسمان و أيث توزين،
بعض الفواكه الطرية الموجودة والبيض المسلوق الذي يوضع فوق الرفيس. أما في قبيلة
أيث ورياغل فيمكن ذبح أكثر من ديك إذا كانت العائلة ميسورة ويوضع إلى جانب
المأكولات السابقة الذكر البن وخاصة لبن الماعز الذي يكون في هذه الفترة من السنة
موجد بكثرة بخلاف حليب الأبقار الذي لا يتوفر بكثرة عند حلول السنة الأمازيغية.
أما
بقبائل الأطلسين الصغير والكبير فيبدأ الاحتفال بتبادل السكان خلال هذا اليوم
التهاني والتحيات، وغالبا ما يكون الاحتفال مشتركا بين الأقارب والجيران الذين
يمارسون بشكل جماعي فقرات من الرقص والغناء، وتطبخ النساء شربة “ؤركيمن” التي
يستعمل فيها جميع أنواع الحبوب والقطاني التي أنتجتها الأرض خلال تلك السنة،
ويحرصن على الانتهاء من طهيها قبل غروب الشمس، وذلك قصد توزيع جزء منها على أطفال
القرية أو الحي، هؤلاء الذين يطوفون على البيوت مرددين بصوت واحد ( ؤوركيمن،
ؤوركيمن، ؤوركيمن…)، وتعتبر هذه الشربة من الوجبات الضرورية التي يجب على كل أسرة
أن تتناولها في ليلة رأس السنة يقومن النسوة بتهيئ الكسكس بطريقة تقليدية تسمى
“طْعَام نُ فُوسْ”، وتتكون عناصره من دقيق القمح أو الشعير والماء والملح، ويتم
اعداده من جميع أنواع الحبوب المعروفة في المنطقة، تيمنا بسنة فلاحية جيدة• وتتكون
وسائل الإعداد من الغربال و”أكَرا” أي الكسكاس المصنوع من الطين و”اسمسل” وإناء
معدني يسمى بالامازيغية لدى قبائل الاطلس “أيت يحيى” “تاسيلت نْ سبْعْمعَاد"
ففي
قبائل دادس وإيمغران وتدغت وأيت عطا مثلا، تقوم النساء يإعداد طبق كسكس يسقى من
مرق مكون من اللحم وسبع خضر أو أكثر، يضعن فيه نوى تمر واحد، يعتقدن أن من يجد هذه
النوى أثناء الأكل سيكون سعيدا ويعتبر المحظوظ والمبارك فيه خلال السنة. ومن
الأقوال المأثورة أيضا عند سكان هذه القبائل أن من لم يشبع من الطعام في ليلة رأس
السنة فإن الجوع سيطارده طيلة تلك السنة. ومن جملة هذه المعتقدات كذلك أنه إذا
أمطرت السماء في تلك الليلة أو في اليوم الأول من السنة الجديدة، فإن الأمطار
ستنزل بغزارة خلال هذه السنة
أما
في منطقة حاحا فإن النساء يقمن خلال ليلة رأس السنة أما ساكنة المغرب الشرقي فتولي
أهمية بالغة لحلول السنة الأمازيغية الجديدة، إذ يتم الاحتفال برأس السنة إضافة
إلى ما سبق، فإن سكان منطقة فكيك يحضرون ما يسمونه “الكليلة” وهو لبن يتم تجفيفه محليا
في مواسم وفرة الحليب، إذ يحول إلى حبوب تشبه الحصى، وخلال احتفالات رأس السنة
يصبون الماء على هاته الحبوب ويصنعون منها لبن الكليلة الذي يوزع على الضيوف
وأفراد العائلة، وغالبا ما يوزع إلى جانبه اللبن الطري إذا توفرت عليه العائلة يوم
رأس السنة.
وفي
قبائل سوس فمن العادات التي تباشر بهذه المناسبة، إعداد عصيدة يناير (تكَلا ن
يناير): وهي عبارة عن احتفال برأس السنة بواسطة وجبة عصيدة، تتعشى بها كل أسرة
ليلة فاتح يناير، وتكون العصيدة محشوة بحبات أركَان (أقاين)، أو عجمات التمر
(أغرمي)، ويتفاءل الآكل بمصادفته هذه الحبات، ويستقرئ حظه من خلال عددها، وتعد
النساء وجبة من الكسكس بسبع خضر والبسيس وأُورْكِيمَنْ، وهوعبارة عن خليط من
القطاني وبركوكس وهو عبارة عن طحين، يخلط ويفتل بالماء، ويمزج بعد ذلك بزيت أركَان
والعسل وأملو وغيرها.
وتعتبر
“تاكْلاَّ”العصيدة، الأكلة المميزة وذات الرمزية العميقة في الثقافة الأمازيغية،
والتي يتم إعدادها بمناسبة رأس السنة الأمازيغية منذ القدم، هذه الأكلة التي تبرز
مدى تشبت إنسان تامزغا بالأرض، وجرت العادة منذ القديم، أن تناول هذه الوجبة في
هذه المناسبة يكون مصحوبا بطقوس ثقافية، من أهمها أنه يتم إختيار رجل أو إمرأة
السنة، صاحب الحظ السعيد، الذي يجد أثناء الأكل “أغورمي ” وهو بدرة ثمر يتم
إخفاؤها في الطبق المعد بالمناسبة
واعتبارا
لما سبق، فإن الاعتراف الرسمي بالسنة الأمازيغية، في العمق، اعتراف بالبعد
الأمازيغي للمغرب كبعد أصلي أصيل وتأكيد على أن الأمازيغية تمتد جذورها في أعماق
تاريخ المغرب، بحيث يمتد على الأقل تاريخ المغرب بحسب التقويم الأمازيغي إلى 950
سنة قبل الميلاد ولا يرتبط فقط بإثنا عشر قرنا، كما هو سائد في الخطاب الرسمي
والمقررات الدراسية.
إن
الاحتفال برأس السنة الأمازيغية من قبل الأسر و مكونات الحركة الأمازيغية يدخل في
صميم تذكير مكونات الشعب المغربي بتقاليده و عاداته وعمقه الحضاري الذي ينبغي
الحفاظ عليه و استرجاعه حتى يتشبث المغرب بجذور هويته الثقافية و الحضارية وتأكيد
على ضرورة إعطاء دفعة جديدة للثقافة الأمازيغية في أبعادها الرمزية باعتبارها ثروة
وطنية تشكل مصدر فخر و اعتزاز لجميع المغاربة، ذلك أن الثقافة هي في جوهرها و لبها
مجموعة من المظاهر الرمزية المعبر عنها بواسطة أنشطة و ممارسات وقيم، وإقصاء ثقافة
ما يبدأ بإقصاء مظاهرها الرمزية، كما أن رد الاعتبار لهذه الثقافة يبدأ برد
الاعتبار لمظاهرها الرمزية، وعلى هذا الأساس، فإن 13 يناير من كل سنة ينبغي أن
يكون يوم عيد وطني يربط الإنسان المغربي بخيرات أرضه وعمقه الثقافي والحضاري و
تصالحه مع ماضيه، و ذلك لكون الامازيغية مكون أساسي للثقافة الوطنية المغاربية،
وتراث ثقافي زاخر شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ و الحضارة
و
هذه المناسبة تعد فرصة حقيقية لامازيغن و مكونات الحركة الأمازيغية بالمغرب للوقوف
على ما آل إليه الفعل الأمازيغي و التفكير بعمق و هدوء بعيدا عن الحسابات و
المزايدات السياسوية الضيقة و تجاوز السطحية في التعامل مع الاشكالات المطروحة
عليهم و مواجهة سياسة الاحتواء و الاختراق و الترهيب ،و بالتالي تجاوز الأسباب
الحقيقية وراء الفشل و التعثرات التنظيمية التي عرفها المسار الطويل للفعل النضالي
الامازيغي، ويكمن المدخل لتحقيق ذلك في قراءة التراث الأمازيغي على الصعيد السياسي
والسلوك التنظيمي والبنيات الموروثة منذ القدم وتحيينها وفق مقتضات الوقت الراهن
وكذا الاستفادة من التجارب الماضية وقراءتها قراءة نقدية تسمح بتجاوز كل المعضلات
التي ظلت تورق إرادة ايمازيغن على مر العهود الماضية، و ذلك كون أن طبيعة القضية
الأمازيغية هي التي تفرض بدائل تنظيمية فاعلة ذات مقومات ومقاييس واضحة ومحددة
تقطع مع الأساليب القديمة وتهدف إلى تجديد أدوات النضال الأمازيغي، وبناء ذات قوية
وفعالة، تتوخى التأثير في المشهد السياسي والثقافي والحقوقي بالمغرب، كحركة
مجتمعية جماهيرية ومستقلة تلبي تطلعات الأمازيغ.
وفي
الأخير، وبمناسبة رأس السنة الأمازيغية الجديدة التي ستصادف 13 يناير من كل سنة،
للجميع أقول "أسكاس ذمينو ذامكاس".

تعليقات