قضية دانيال والنسيان السياسي بالمغرب
لقد بدأت قضية دانيال كالفان تدخل في طي النسيان السياسي، ومنذ زمن بعيد يمكن استنتاج أن المخزن والنخب السياسية والنقابية والجمعوية التابعة له متعودون على استعمال النسيان كحل سياسي للمشاكل والفضائح، والنسيان في حد ذاته هو مرض يصيب الشعب الذي لا يحل المشاكل ولكن ينساها وتبقى عقدة نفسية في أعماقه، والنسيان لمثل قضية دانيال هو نوع من التخدير السياسي، ولو لم ينس الشعب المعتقل السري تازمامارت، ودرب مولاي الشريف واكدز ودار المقري والمقابر الجماعية المكتشفة بالدار البيضاء داخل الثكنة، والأخرى المكتشفة بالناطور، وسلسلة الاغتيالات التي وقعت خلال الخمسين سنة الماضية، ومراكز التعذيب السرية والعلنية والإعدامات السياسية التي أنجزتها أجهزة المخزن، ولو لم ينس الشعب عدد الجرائد والكتب والمجلات التي تم منعها أو مصادرتها، وعدد الأحزاب والجمعيات التي تم منعها، وعدد الشباب العاطلين الذين يحملون الشهادات الجامعية وتم تعريضهم للتعذيب والضرب أمام الملأ ..ولو لم ينس الشعب معتقل تماره السري وقضية نهب أموال البنك الشعبي، والصندوق الوطني للقرض الفلاحي، وقضية البنك الوطني للإنماء الاقتصاديBNDE واغتيال شخصيات سياسية وعسكرية ومدنية كثيرة، وقضية البريد، وفضائح الخوصصة مثل شركة التبغ والمكتب الوطني للبريد والمواصلات ..وشركة الملاحة البحرية Comanav وغير ذلك كثير لو لم ينس الناس هذه القضايا لأصبح المغرب بلدا بدون خوف وبلدا للحرية والسعادة، ومن الخطورة بمكان أن تساهم التنظيمات السياسية في عملية النسيان الخبيث..
ونخصص هذه المقال لمرض النسيان السياسي، الذي هو أداة خطيرة تضمن للمخزن الاستمرار في الحكم وللشعب الاستمرار تحت الضغط والخوف والعبودية، ولذلك يجب على كل من له ذاكرة سياسية أن يحاول شن الحرب ضد النسيان السياسي الذي نستعمله كمثال في قضية دانيال التي لم تمر عليها مدة طويلة، والنسيان السياسي نوعان الأول عادي بالنسبة لأفراد الشعب الذين لا يحترفون السياسة وتشغلهم المشاكل اليومية وظروف العمل، وذاكرتهم لا تكفي حتى لتذكر الشؤون الفردية من أكل وشراب وسكنى وصحة..والنوع الثاني هو النسيان السياسي المفروض والمدروس ومثاله الحديث هو قضية دانيال التي طبقت فيها أساليب النسيان المخزني كما يلي
1- تلخيص الخطأ وكل الفضيحة وجمعها كلها في شخص واحد هو حفيظ بنهاشم الذي لاتغرقه ولا تسقطه الفضائح ،وتعود على أن تتصنع السلطة عزله عندما احتاجت إلى نسيان دوره القمعي عندما كان مسؤلا عن الشؤون العامة بوزارة الداخلية في أخبث سنوات الرصاص ،فويل عندئذ لكل من وصل جواز سفره إلى يد بنهاشم عند ما كانت تسحب جوازات السفر من المواطنين لأسباب سياسية ويصعب الحصول على جواز السفر بمغرب بنهاشم إلى درجة أنه كان يتطلب الوسائط والأموال وكثيرا من المعاناة ،ولم يعرف الشعب بعد ذلك أين كان بنهاشم بعد عزله منDAG؟حتى فوجئوا بتعيينه مديرا عاما للأمن الوطني DGSNعندما احتاج المخزن إلى مدبرين قدامى لسنوات الرصاص الجديدة،وعزل من إدارة الأمن الوطني لأسباب مجهولة واختفى عن الوظائف العلنية إلى حين ظهوره من جديد بتوليه مندوبية السجون بعد فصلها عن وزراه العدل التي كانت تابعة لها منذ حوالي مائة عام عندما تكاثر عدد السجناء السياسيين وخاصة الاسلاميين ،وفي كل مرة كلن يختفي في الظل حتى ينساه الناس ويعود،ولا يعرف المغاربة لماذا عزل؟ولا لماذا عين؟ وهذه المرة فقط بعد عشرات السنين عرف الشعب على الأقل أنه عزل بسبب دانيال وقد يعود دانيال إلى القنيطرة ويعود بنهاشم إلى أحد المناصب العليا عند ما ينتشر مرض النسيان المغربي المتجدد
2- إن آفة النسيان السياسي لقضية دانيال ساهم فيها أنصار محمد مرسي بالمغرب الذين قسموا المغاربة إلى قسمين هما إخوان مسلمون ،وبقية الشعب الذي لاتربطه أية علاقة سياسية بالنزاع السياسي المصري وأصبح جزء من المغاربة يتوهمون أنهم معنيون بانقلاب عسكر مصر على دولة الإخوان المسلمين بمصر،وفقدوا رئيسهم الشرعي محمد مرسي،ونسوا ضحايا حرارة الشمس في أواسط غشت 2013 التي ذهبت بالغلة الفلاحية للخضر والفواكه ونشرت الغلاء والأمراض والحزن، ومن الغريب أن التنظيمات الاخوانية المغربية لم تخرج للاحتجاج بالشوارع منذ منتصف سنة2011 عندما توقفت مسيرات شباب حركة 20فبراير حول شأن واحد من شؤن الشعب المغربي سواء بالقبول أ والرفض، ولم يشاهد المغاربة تحالف الاخوانيين يتظاهر مرة واحدة ويضع قادته من مختلف أنواعهم في مقدمة المسيرة سوى من أجل قضايا الغير،واستعملت وسائل الاعلام المخزنية لصالحهم وتفريغ حماسة مناضليهم فيما وراء حدود المغرب ،وكان الهدف في الحقيقة هو نسيان قضية دانيال التي تكاد تعصف بهم جميعا.
3- وباعتبار قضية دانيال شارك فيها ملك اسبانيا ينبغي أن نجري مقارنة بين سياسة مواجهة ملك اسبانيا للمشكلة وبين ماوقع في المغرب ؛حيث لاحظنا أن ملك اسبانيا استغل فضيحة دانيال لصالح شعبه واستفادوا منها من جهة أولى بإطلاق سراح سجنائهم بالمغرب ومنهم دانيال وهي مهمة سياسية كبيرة يتمنى تحقيقها الرئيس الفرنسي الذي لم يستطع تحرير سجناء فرنسا لدى الطوارق ولاحتى لدى المغرب كما برهن ملك اسبانيا من جهة ثانية على روح تضحيته بهديتين للدولة الاسبانية وهما سيارته Ferrariويخت Yacht يقدر ثمنه ب21مليون أورو بعد زيارته للمغرب، وشعوره بتدهور سمعته وكأنه هنا لم يكتف بمجرد الاعتذار الكلامي الفارغ بل أدى للشعب تعويضا ماديا عن الخطأ المفترض أنه ارتكبه..
وبرهن عن مساهمته في سياسة التقشف التي يعاني منها شعبه، وماذا جنته الدولة المغربية والشعب من تسريح دانيال بالمقارنة مع موقف ملك اسبانيا؟
4- كان من نتائج فضيحة دانيال خمسة أمور سلبية جدا منها :1-رجوع الصراع العنيف إلى الصحراء2 - وتصريح وزارة الداخلية باكتشاف خلية جديدة لتنظيم القاعدة في المغرب،3 -وبروز خلاف بين بعض أعضاء الأسرة المالكة في المقال الذي نشره الأمير هشام بن عبد الله حول فضيحة دانيال في صحيفة الباييس الاسبانية وجه فيه نقدا شديدا لنظام الحكم المغربي وترجم فورا إلى كثير من لغات العالم،4-وتجميد تشكيل الحكومة الجديدة بعد استقالة وزراء حزب الاستقلال إلى أجل غير مسمى، 5- انطلاق أزمة مواقف بعض السياسيين من مراسيم حفلة الولاء ومنها مقاطعتها من طرف البعض، و إبعاد الملياردير عثمان ينجلون صهر الماريشال امزيان، والجينيرال المدبوح من حضور مراسيم الولاء، علما أن عثمان بنجلون يمثل رمز تركة شبكة عائلة الماريشال المغربي الوحيد الذي ينتمي إلى جيش الجينيرال فرانكو
وختاما يتضح من هذه النتائج الخمسة أن قضية دانيال أصبحت مؤشرا مهما لما سيحدث في المستقبل ،وكشفت أن النسيان غير ممكن هذه المرة.

تعليقات