سياسة الدولة المغربية في التعامل مع رموز المقاومة
المسلحة
- شخصية الأمير محمد ابن عبد الكريم الخطابي نموذجا -
في شخصية الأمير محمد ابن عبد الكريم الخطابي (مولاي
موحند)
مهما
كتبنا عن شخصية الأمير والمجاهد محمد ابن عبد الكريم الخطابي، الملقب في أدبيات
إيمازيغن بمولاي موحند، فلن نستوفي مساره و إرثه النضالي الرامي إلى مقاومة
ومناهضة الإستعمار والغزو الأجنبي للشعب الأمازيغي بالمغرب أو أمو واكوش لدى
إيمازيغن.
إن حركة
المقاومة المسلحة التي أسسها وتزعمها مولاي موحند، لم تكن مجرد مقاومة مسلحة فقط،
بل حركة تحررية وتحريرية استهدفت عمق المجتمع الأمازيغي المغربي، وصيتها وصل لكل
بقاع ثامزغا والعالم، ومن أسست من أجل ضمان انسجام وتلاقح تامين بين مختلف بنيات
هذا المجتمع، والارتقاء بها –البنيات- ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا باعتبار تعدد
وتنوع الروافد الثقافية والهوياتية لهذا المجتمع (العرب، اليهود...)، والدفاع عن
حق تحرير البلاد من كل القيود الاجتماعية باسم الدين (التخلف الديني والفهم الخاطئ
والتأويلات اللاعقلية له)، وأعرافها وتقاليدها الغارقة والعارمة في الأمية، الجهل
والتخلف، ومن اجل أيضا تجاوز الانحطاط الفكري الذي كانت تعيشه ساكنة هذا البلد،
نتيجة الغزو العربي لشمال إفريقيا وأنعدام اية منظومة تربوية تعليمية مبنية على
اسس متينة صلبة منفتحة على العلوم الحية والدقيقة، واقتصارها (الساكنة) على
التعليم التقليدي المحافظ والجامد دون الاطلاع على روح العلوم العقلية الحرة.
إن الحديث
عن مولاي موحند، هو حديث يطول، هو حديث عن ظهور مدرسة فكرية تحررية عالمية، أخذت
هذه المدرسة ابعادا مختلفة (بعد وطني، بعد دولي، بعد وحدوي، بعد سلمي...)، كما أنه
أنشأ وكون فكر له شأن مع الوحدة الوطنية
خصوصا والشمال-إفريقية عموما، شأن مع بناء واستقرار الدولة
الوطنية، وموقف من الدولة الاستعمارية، وبناء اقتصادي وتكنولوجي.
كانت تهدف
هذه المدرسة التحررية الفكرية التي أسسها مولاي موحند، إلى إعادة حرية الشعوب
وكرامتهم المستلبة والمغتصبة سنة تلو أخرى، إلى الوقوف في وجه المستعمر الأجنبي،
كما صارعت الانحرافات الداخلية داخل البلاد (الخيانات، والعاملة لصالح
المستعمر...)، وربطت علاقات مع مختلف الجهات الفكرية والسياسية ودخل على خط
التفاوض لوضع أسس العمل الديبلوماسي.
هذه عبارة
عن نماذج لامستها شخصيتها الأمير والشهيد مولاي موحند، بالإضافة إلى المسار
التحرري النضالي الذي أنتجه في الميدان العسكري (ابتكار حرب العصابات)، الميدان
الثقافي (رد الإعتبار للانسان الأمازيغي والدفاع عن أرضه ولغته، حيث كان يدرس
باللغة الأم الأمازيغية وجسد أيضا هذه الأخيرة في حركة المقاومة حيث جل التعليمات
والتوجيهات والنصائح كانت باللغة بالأمازيغية)، الميدان الاجتماعي (السعي إلى بناء
مجتمع تسود فيه قيم المواطنة والديمقراطية والسلم والعز والكرامة...)، الميدان
الاقتصادي (تحسين أوضاع المواطنين وتوفير أسس العيش الكريم والحماية من الذل
والفقر والاستعباد).
هذه
النماذج تفرض على المفكرين والسياسيين الحقيقيين والاجتماعيين، التعامل بكل حكمة
وبكل موضوعية في استحضار واسترجاع هذا الرمز الموضوم في كل ذاكرة، والتعامل بكل
صرامة فضح كل من يحاول الإساءة إلى هذه الشخصية التاريخية، وكشف كل الدسائس
والمؤامرات التي تحاك ضده من استغلال واسترزاق سياسوي ضيق الأفق وكذا موروثه
النضالي الزخم.
سياسة تعامل الدولة مع رموز المقاومة المسلحة.
مثله
مثل كل الشهداء الحقيقيين للشعب المغربي، شهداء المقاومة المسلحة وأعضاء جيش
التحرير، تعرض الأمير موري موحند للإقصاء والتهميش التاريخي والاسترزاق السياسوي
من طرف كل من الدولة المغربية ذات النظام المخزني، و بعض الدكاكين السياسية التي
تنظم باسمه ندوات وأيام دراسية فكرية في ذكراه تستقطب من خلالها قواعدها الجمهورية
دون معرفة أدنى أمور عن حياة هذا الرمز الخالد في أذهان كل مناضل حر وكل ساع إلى
الانعتاق. كما أن:
1)- ما حدث بمدينة آسفي بتاريخ 30 دجنبر 2012 على هامش
مقابلة في كرة القدم بين فريقي أولمبيك آسفي وشباب الريف الحسيمي، عندما تعمد من
يسمونهم ب((((رجال الأمن))))، وأمام مرأى ومسمع الجميع على انتزاع صورة الأمير
مولاي موحند، انتزاع لصورة وإهانة لرجل تستمد منه الأجيال روح الاجتهاد والانتصار
في زمن ربما تنعدم فيه أمثاله، انتزاع صورة بطل استطاع توحيد قبائل الريف المغربي
بعدما فرقها لفترات التناحر والانتقام المفبرك، واستطاع أن ينسيها خصاماتها
وحساباتها الهامشية من أجل هدف واحد ومشترك، ألا وهو محاربة الغريب عن الوطن، غريب
على جل المستويات (اللغوي، الفكري، الحضاري، الهوياتي، حيث تقول في هذا الصدد
المؤرخة الاسبانيا والمهتمة بفكر مولاي موحند، ماريا دي روسا: ''...كانت تلك
المناسبة الوحيدة في تاريخ آيث ورياغل لمواجهة المحتل الذي كانت إسبانيا تطبق فيها
مقولة فرق تسد، ويرجع الفضل في ذلك إلى محمد ابن عبد الكريم الخطابي لمواجة التدخل
الأجنبي، ليس فقط آيث ورياغل بل كل القبائل...''.
2)- إن إنتزاع صورة رمز من رموز المقاومة المسلحة، يؤكد
بجلاء ووضوح أن النظام المخزني المغربي لم يتخلص بعد من عقليته التقليدية القديمة،
وعقده العميقة من كل ما هو قادم وآت من إيمازيغن.
3)- ما حدث بآسفي يبرهن بالملموس بأن مولاي موحند غير
مرغوب فيه من طرف هذا النظام، وغير مرغوب في وطن حرره وكلف فيه الإسبان الشيء
الكثير في معركة أنوال الخالدة، ولأنه رفض معاهدة إكس ليبان الخيانية واعتبرها
معاهدة تكرس الاحتلال أو كما سماه الاحتقلال (الاستقلال والاحتلال في نفس الوقت).
4)- واقعة آسفي، تبين نية واسلوب تعامل الدولة المغربية
مع من رفض الدستور المغربي الممنوح، عندما قال:'' لا حرية دون دستور، وليس هناك من
دستور إلا الدستور الوطني الذي تصنعه الأمة بنفسها ولنفسها. إن الدستور الشرعي
لبلد ما لا يمكن أن تصنعه إلا لجنة أو أو هيئة منتخبة تمثل مختلف الطبقات الشعبية
تمثيلا صادقا وأصيلا''، واعتبر ولاية العهد بدعة منكرة في الاسلام لأنها تشرعن
الاستبداد، ومع من قام بفضح تداعيات تصفية أعضاء جيش التحرير من طرف ميليشيات
(((((حزب الاستقلال)))))).
إن تخليد
والاحتفاء بخمسينية مولاي موحند، يضعنا على مسافة طويلة من الزمن، ليس فقط
باستحضار الأمجاد التي بناها وأطرها ووهبت نفسها من أجل تحرر هذا الوطن المغتصب،
والمؤثرات التي صنعت من أحد رجالات القرن العشرين على الصعيد العالمي، لكن بقراءة
ما كتب عنه ومن ينشر حول مساره وشخصيته من كتب ودراسات، أو ما مورس في حقه من
مماراسات وسلوكات ليست لا بالإنسانية ولا بالحضارية، تجسد وتبين نية الدولة
المغربية في الإساءة إلى رموز المقاومة الحقيقيين والتقليل من احترامه وتقديرهم.
بقلم:عماد لبوز
وجدة في ذكرى خمسينية مولاي موحند (06 فبراير 2013)

تعليقات