القائمة الرئيسية

الصفحات

 


التعليم في زمن التعتيم*

   بقلم الأستاذ سفيان الهاني

      أتذكر أن في ثانوية مولاي علي الشريف بالحسيمة أستاذا، يشرف على تدريس مادة العلوم الطبيعية، لكثرة تماديه في الغياب عن الحصص الدراسية، وكذا ظهور اسمه على سبورة الرخص لسنوات عدة، قد وجده تلامذة الثانوية الأكثر حظا في تقديم اسمه مرشحا لدخول موسوعة "غينيس" بعدد السنوات التي تغيبها!...

      وحيث أنني ممن حظي بشرف القعود على طاولات هذه الثانوية في رحلة لي إليها دامت قرابة خمسة أعوام! فقد كنت في البداية أظن (وإن بعض الظن إثم) أن هذه الشخصية الكاريكاتورية قد غادرت البلاد إلى "دار الحق" ! غير أني، بعد كل هذه الظنون، سأتفاجأ بخبر اشتغاله رئيسا لجماعة قروية تابعة لإقليم الحسيمة!... ولكم سيدري قارئ "أرفيس ءينو" كم من سؤال طرحته في موضوعه. كيف ظل اسمه على سبورة الرخص طيلة تلك السنوات دون أن يتساءل أي واحد من يا أيها الناس عن سر غيابه؟ إذا كان الأمر يتعلق بمرض أو عجز عن التدريس، فكيف يوافق بين مرضه وتسيير جماعته؟! وكيف قد بلغ الصبر بالتلامذة إلى هذا الحد ولم يثر واحدا منهم ويقول بصوت مرتفع: "اللهم إن هذا لمنكر"؟...

       وحيث أنه من غير الممكن الحديث عن المسؤولية الأخلاقية وعن المسؤولية التربوية، فقد حالت دون متابعته من قبل مدير الثانوية ونائب التعليم بالإقليم ومدير الأكاديمية الجهوية ومفتشي مادته، ودون رفع أية تقارير في حقه، ودون اعتماد أي أستاذ من أجل تمكين التلامذة من متابعة دروسهم... ولن أستغرب هذه المرة، لأن هذا صادف الزمن الذي تتغنى فيه الدولة بشعارات رثة من قبيل دولة "الحق" و"القانون" وهلم شعارات إلى باب المدينة! في زمن مازال فيه من الأساتذة من هو متأثر بالظواهر القديمة-الجديدة والمتمثلة أساسا في "التفرغ الحزبي" أو "التفرغ الخبزي" إن صح التعبير، التفرغ الذي "يُدْخِلُ" على صاحبه أجرتين: أجرة التعليم وأجرة الحزب...

       وما يزيد الأمر "فَقْسَةً" أن هذا الأستاذ لم يطلب التفرغ الحزبي ليترك التلامذة في حالهم وذلك خير له ولهم، بل وبقي مستظلا تحت مظلة "التعليم"، ولأنه –ربما- يعرف بأن الحزب الذي ينتمي إليه قد يستغني عنه إذا ما لم يحقق أهدافه المنشودة في أحد الأعوام.

وما يزيد الأمر "فَقْسَةً" أخرى أن الثانوية المذكورة لم تختر الصمت كعنوان لورطتها، بل وراحت تصدر أحكامها البئيسة ووصلت حد طرد تلامذة لا ذنب لهم سوى أنهم قالوا "لا" في زمن "نعم" الساقطة.

      قالوا لا، لأن بعض المدرسين لا يستحق أَذْكَاهُمْ منصب "شاوش" في إدارة عمومية، وما عسى أستاذا يشرف على تدريس الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية!

      قالوا لا، لأن بعض المدرسين يعانون من نقص فضيع في التواضع، وكذا "النزول إلى الواقع" الذي يتواجدون فيه. ولأن البعض منهم لم يتأقلم بعد مع الوسط التربوي منذ تعيينه أستاذا على رأس هذه المؤسسة، ويظن نفسه عالما وهو جاهل، ويرفض مناقشة تلامذته حول دروس المقرر لأنهم في نظره لا يفقهون في العلم شيئا! فتراه يخاطبهم في استهزاء واستعلاء كما لو أنه فرعون الذي قال ذات مرة: "أنا ربكم الأعلى"...

     قالوا لا، لأنهم رفضوا أن تكون مؤسستهم التربوية مرتعا للأساتذة ذوي العقد النفسية وانفصامات في الشخصية... ولأن المرضى النفسانيين مأواهم "الطلحاوي" (دكتور الحماق) خالدين في مصحته أبدا!!!...

      ومن خلال ما ذكرته، أستطيع أن أؤكد على أنه لا يمكن التنظير للتعليم في زمن "التعتيم". وأنه لا يمكن الحديث عن مستقبل لهذا البلد (وهكذا أُرِيدَ له) مادام أن الذين وضعوا أنفسهم مسؤولين عليه قد جعلوا منه مشروعا ناجحا ومدرا للدخل. وبدل أن ينشروا العلم راحوا يزينون المقررات بدروس عن "مبدأ تكافؤ الفرص" ناسين أن أبناء الشعب يعرفون منذ نعومة أظافرهم أن المناصب العليا مِلْكٌ لأبناء الوزراء أو للوزراء أنفسهم...

      وهكذا لن أنسى أن أقول وأؤكد للذين في قلوبهم مرض أن غرضي من الدراسة ليس أن أدرس كي أحارب الأمية كما يزعمون، بل من أجل أن أحاربهم هم الأميون المرددون لهذه العبارات!...

    قد أتنازل لبعض الوقت، وقد أمضي إلى حال سبيلي بشهادة تؤكد فشل سفري الطويل إلى الجحيم. لكن قسما لن أصمت عن هذه الكارثة التربوية التي تمس بنا. وقسما بأن الوقت الذي انتظرته وأنتظره سيأتي، لأبلغ لهم رسائلي برصاص قلمي الفاضح للصوت.


*تنويه: هذا المقال نشر على صفحات الجريدة الأسبوعية نوميديا الثقافية المتوقفة عن الصدور

 


تعليقات

التنقل السريع